مفاهيم الجاهلية ودار الإسلام و دار الكفر والحاكمية لله عند سيد قطب
السؤال: أود أن أسأل عن رأيكم في فكر سيد قطب بشكل عام وبعض المفاهيم التي أوردها في كتبه مثل الجاهلية ودار الإسلام و دار الكفر والحاكمية لله ..

الجواب: الإجابة على هذا السؤال بشكل كامل تحتاج دراسة مطولة عن فكر سيد قطب، وهذا لا يمنع من الإجابة بشكل مختصر معتمدين على ما عرفناه من فكر الرجل ذائع الصيت والذي ألقت أفكاره بظلالها على عقلية الشباب المسلمين وأسست لما يُعرف اليوم بالحركات الجهادية التي أساءت لمفهوم الجهاد وجلبت العداء للمسلمين من كل حدب وصوب.

سيد قطب من أصحاب الأقلام المؤثرة في العصر الحديث، وهو صاحب تجربة قاسية جعلته ينظر للأمور _غالبا_ بمنظار حاد بعيد عن روح الإسلام وسعته وشموليته، ومن ذلك تقسيمه المجتمعات إلى إسلامية وجاهلية بمعايير خاصة به فهمها من بعض الآيات دون النظر إلى متشابهاتها ومفصِّلاتها في القرآن الكريم، كما كان يجتزئ من نصوص السنة ما يوافق رؤيته دون النظر إلى السياق الذي ورد فيه الحديث أو إن كان موافقا للقرآن أو غير موافق.

إن اعتبار الشعوب التي لا تحكمها الحكومة الإسلامية شعوب جاهلية فتح الباب أمام تكفير هذه المجتمعات ومن ثم تحليل سفك دمائها، وهو بلا شكّ شطط عن الحقّ وايغال في الخطأ، ذلك أن المجتمعات كلها مسلمها وكافرها مخاطبون بالقرآن الكريم إلى قيام الساعة ولا ينبغي لأحد أن يقف حائلا أمام هذه المجتمعات والقرآن.

إن تقسيم المجتمعات إلى فسطاطين مسلم وكافر يؤدي الى احتدام روح العداء بينها، ويؤدي ذلك لحجب دعوة الإسلام عن المجتمعات غير المسلمة.

لا ينبغي أن يُحدَّ الاسلامُ بحدود الجغرافيا والسياسة فيقال هذه دار إسلام وهذه دار كفر، فالأرض جميعها لله وهي طائعة منقادة له سبحانه كما أخبر بقوله {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت، 11)

ودين الله تعالى هو الفطرة التي هي القانون الناظم للكون وما فيه. قال الله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم، 30) فقد جعل الله تعالى هذا الدين للبشر كافة ولا يصح قصره في بقعة أو على مجتمع دون آخر.

وواجب المسلمين أن ينشطوا في إيصاله إلى الناس في كل مكان من هذه الدنيا كما أراد الله. والإمتحان قائم إلى قيام الساعة؛ فمن يؤمن فهو الفائز، ومن يكفر فهو الخاسر. والذي يحاسب على الكفر والإيمان هو الله تعالى وحده، ولا يصح ذلك لأحد غيره.

قال الله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} (الكهف، 29)

والمسلمون لا يملكون مع غير المسلمين سوى دعوتهم لدين الله وتبليغ رسالته إليهم:

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} (يونس، 108)

{إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} (الزمر، 41)

أما مفهوم الحاكمية عند سيد قطب ففيه تعميم وإطلاق لا يتناسب مع رسالة الله تعالى إلى الخلق، ذلك أن مسؤولية الفرد أمام ربه مسؤولية فردية لا جماعية، يقول الله تعالى {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا. مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء، 15)

ويقول أيضا {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} (94) فالواجب على المسلم أن يلتزم بأمر ربه بغض النظر عن طبيعة السلطان الذي يحكمه، وهذا لا يعني عدم أهمية أن يكون السلطان مسلما، بل يعني أن تكليف العبد غير متعلق بطبيعة السلطان.

إن تفسير الحاكمية بمعنى خضوع الجميع لسطان الخليفة الذي يطبق الشريعة هو ضرب من الكهنوت الذي جاء الإسلام ليحاربه؛ لأن الناس يجب أن يكونوا عبيدا لله وحده دون وساطة رجل دين أو سطوة سلطان، فتطبيق المسلم لأحكام الله تعالى لا يحتاج بالضرورة إلى وجود حاكم أو دولة. إن التزام المسلم بالصلاة والزكاة والصدق والأمانة وغير ذلك هو الالتزام بحكم الله تعالى، وهو بذلك يكون قد طبّق مفهوم الحاكمية، قال الله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف، 40)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول هيثم عامر:

    ماشاء الله , شكر الله لكم
    انتم فين من زمان يا جدعان
    سبحان الله
    لازم نتواصل اكتر ان شاء الله
    ربنا يهدكم الصراط المستقيم صراط الذين انعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ويزدكم ايمانا ويزدكم هدى ويربط على قلوبكم ويثبتكم انه عليم بذات الصدور وعلى كل شيء قدير ولا يعجزه شيء

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع