توتر العلاقة بين الفتاة ووالديها
السؤال: أنا شابة شارفت على الـ24 من عمري، ما زلت أدرس في الجامعة (أتخرج بإذن الله بنهاية هذا العام). أنا و والدتي في صدام مستمر بخصوص توافه الأمور مثل ماذا ألبس وماذا أقول وإن كنت أصلي أو لا، وكل حديث يدور بيننا ينتهي بصراخ وخصام. أمي متشددة جداً وتحاربني بالدين، إذا خطوت خطوة في أي اتجاه لا يعجبها أو لا نتفق عليه تتهمني بالعصيان والتمرد ومؤخراً قالت أني فاجرة وكافرة، وإن كنت دائمة الاعتراض على بعض الأمور مثل ماذا ألبس وكيف أقرر لحياتي العملية، هي لا تقبل أن لا أنفذ ما تريد، وإن فعلت تقول إني عاصية و عاقة وإنها غير راضية عني وأني لن أوفق. ثم بدأت اتجاه أنني عبء وأنني ما دمت أعيش معهم علي أن امتثل لما يقولون وإلا فعلي أن أهجر البيت، مع العلم أني لو فعلت فعلاً وتركت لهم البيت قد يقتلوني، مؤخراً أفرغت جام غضبها علي وضربتني بغل وآذتني (لكني كنت مخطئة)، كما أنها دائماً تفرق في المعاملة بيني وبين شقيقاتي وتدعي أنني صعبة المراس عنهم، وإن أتتني بشيء أو اشترت لي شيئا تأخذه مني حين تغضب، كما أنها قامت في عدة مناسبات بتعنيفي في الشارع. و حين أخبرهم أنني ما عدت صغيرة ليتم تعنيفي بهذه الطريقة المهينة وأن عليهم أن يتقبلوا اختلافي ويتركوا لي حرية الاختيار في بعض الأمور مثل ماذا ألبس وإن كنت أريد السفر أو العمل أو متابعة الدراسة، تهاجمني بسلاحها الدائم أن الدين لا يسمح بذلك وأن لا رأي لي ما دمت في كنفهم وأني أفعل ما يحلو لي حين أتزوج.

الجواب: لا شك أن مثل هذه الأمور قد تقع في الأسرة. وربما يبالغ بعض المراهقين في توصيف أخطاء ذويهم. فغالبا ما لا يُعجب الأبناء بسلوك ذويهم في مثل هذا السن.

وفي حال حدوث سوء تفاهم بين البنت والأم فلا بد أن يكون هناك سبب لذلك، ومن الأسباب الظاهرة هو عدم تفهم الحق الواجب على كل منهما تجاه الآخر، إذ تظن البنت أن لها الحق في أن تفعل ما تشاء لأنها أصبحت كبيرة بما يكفي لتتدبر أمرها بنفسها، بينما تظن الأم أو الأب أن الابن يبقى ابنا مهما كبر ومن حقهما عليه السمع والطاعة في الأمور كلها.

وكلا الادعاءين فيه وجه من الحق دون وجه، فالبنت حين تكبر تصبح مسؤولة عن تصرفاتها أمام الله تعالى، ولكن لا يعني ذلك انقطاع علاقتها بوالديها، فقد أمر الله تعالى ببرِّ الوالدين حتى لو كانا مشركين فكيف إذا كانا مسلمين، كما أمر بخفض الجناح لهما، أي باللين والتواضع لهما، وهذا يقتضي أن يناقشا بالحسنى. واعلمي أن الكلمة الطيبة تؤتي ثمارها ولو بعد حين، أما الثأر للنفس ومعادة الوالدين بحجة التحرر منهما لا يؤدي إلى الخير أبدا.

وإدعاء الوالدين أنهما أحق بالبنت أو الولد حتى لو كبر فيه وجه حق كذلك؛ لأن الوالدين يبقيان والدان ويشعران بالمسؤلية تجاه أبنائهما، لكن هذا الشعور لا ينبغي أن يتحول من نعمة الحنو والعطف إلى نقمة الاستحواذ والسيطرة.

عندما يكبر الأولاد ويصبحوا راشدين لا بد أن يترك لهم الوالدان حرية الاختيار ومواجهة التحديات، وأن يكونوا سندا لهم وعونا، موجهين ناصحين.

لا ينبغي أن تُحكم العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة بقوانين حديدية، بل بالرحمة والمحبة، فإن قسا واحدٌ من أفراد العائلة فلا ينبغي للأطراف الأخرى أن تواجه القسوة بقسوة أشد، بل بمزيد من اللين والرحمة وإظهار العطف والمحبة. قال الله تعالى:

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت، 34_35)

 أما المخالفات الدينية التي تصدر من الأبناء الراشدين فإن الاثم يلحقهم دون ذويهم. وليس لذويهم سوى النصح والإرشاد، هذا سبيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد كان بعضهم يعيش في ذات البيت مع زوجه وأولاده وكان منهم الكفرة والمشركون، كحال امرأة نوح عليه السلام وابنه.

أما ترك بيت العائلة فلا يأتي بخير أبدا بل هو الشر بحد ذاته، وبدلا من ترك البيت لا بد من محاولة الاصلاح والتأثير بالحسنى، ولا يدوم العسر مع دوام العمل والاجتهاد والتوكل على الله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الإنشراح، 6)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.402 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع