اشتراط الزوجة أن تكون العصمة بيدها في عقد الزواج
السؤال: هل يصح أن تشترط المرأة في عقد الزواج أن تكون العصمة بيدها، فيكون لها الحق أن تطلق نفسها متى شاءت؟

الجواب: الطلاق في القرآن الكريم هو من حق الزوج. أي الفاعل في الطلاق هو الزوج. قال الله تعالى: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» (البقرة، 2/229).

و«ال» في لفظ «الطلاق» للتعريف والعهد، فيكون المعنى؛ الطلاق المعروف أو الطلاق المشار إليه. وقد بين الله تعالى ذلك في سورة الطلاق:

«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا. فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ[1] أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ» (الطلاق، 65/1-2).

قد جعل الله تعالى للطلاق قدرا ومقياسا كما جعله في كل الأشياء. وقد بينت الآيات السابقة ذلك القدر. كما ظهر في تطبيقات النبي عليه والصلاة والسلام وصحابته الكرام.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طَلَّق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمرُ بنُ الخطاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مُرْهُ فَلْيُراجِعها، ثم لْيُمسِكها حتى تَطهُرَ ثم تَحِيضَ، ثم تَطهُرَ، ثم إنْ شاء أَمسكَ بَعدُ، وإنْ شاء طَلَّق قبلَ أن يَمَسّ. فتلك العِدَّةُ التي أَمَر اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساءُ».[2] قال عبدُ الله: فرَدَّها عَلَيَّ ولم يَرَها شيئا، وقال: «إذا طَهُرَتْ فلْيُطَلِّق أو لِيُمسِكْ». قال ابنُ عمرَ: وقَرَأَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) من قبل عدتهن.[3]

أما إنهاء الحياة الزوجية من قبل الزوجة فهو الإفتداء. ودليل مشروعيته قول الله تعالى: «وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (البقرة، 2/229).

إنّ الحكمة من تشريع الإفتداء هو خوف المرأة من أن لا تقيم حدود الله لو بقيت تحت نكاح زوجها. فإن قررت الفراق أعادت إلى زوجها قدر ما اتفقا عليه من بعض مهرها ولا يزيد على ما أخذته منه من صَداق. لقوله تعالى في الآية السابقة: «مما آتيتموهن». وفي حالة عدم تقصير الزوج في حقها لا بد مِن أن تعيد إليه كلَّ ما أخذته منه.

فعن حبيبة بنت سهل الأنصاريِّ أنها كانت تحت ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شَمّاسٍ وأنَّ رسولَ الله خرجَ إلى الصُبح فوجدَ حبيبةَ بنتَ سهلٍ عند بابه في الغَلَسِ، فقال لها رسول الله: «من هذه»؟ فقالت: أنا حبيبةُ بنتُ سهلٍ يا رسولَ الله! قال: «ما شأنك»؟ قالت: “لا أريد أن أكون مع ثابتِ بنِ قيس”. فلما جاء زوجُها ثابتُ بنُ قَيسٍ قال له رسولُ الله: «هذه حبيبةُ بنتُ سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر». فقالت حَبيبةُ: يا رسولَ الله! كلُّ ما أعطاني عندي. فقال رسولُ الله لثابتِ بنِ قيس: «خذ منها»، فأَخَذَ منها، وجَلَسَتْ في بيت أهلها.[4]

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءت إليه امرأةٌ تَشتكي زوجَها، فحُبست في بيتٍ فيه زِبْلٌ فباتتْ فيه، فلمّا أصبحت بَعَث إليها فقال: «كيف بتِّ الليلةَ»؟ فقالت: «ما بِتُّ ليلةً كُنتُ فيها أقَرَّ عينًا مِن الليلة». فسَأَلها عن زوجها فأَثنَتْ عليه خيرًا، وقالت: «إنه وإنه، ولكن لا أَملكُ غيرَ هذا». فأَذِنَ لها عمرُ في الفِداء.[5]

إن عمر أراد أن يعلم على وجه اليقين إن كانت المرأةُ جادة في طلب الفراق أم أنه غضب عابر. ومن الجدير ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر كلاهما لم يسأل المرأة عن سبب بغضها لزوجها.

وفي كلا الروايتين لم يرد تكليف المرأة المفتدية بإحصاء العدةِ، كما لم يذكر الإحصاء في الآية 229 من سورة البقرة. لذا فعليها الإستبراء فقط؛ وهو التأكدُ من خُلُوِّ رَحِمِ المرأةِ المُفتدية مِن جَنين، وهذا يُمكن إثباتُه بحَيضة وطُهر. بخلاف عدة المرأة المطلقة فيلزم عليها العدة لإحتمال إعادة الأسرة من جديد.

وخلاصة القول؛ إن القرآن الكريم جعل للمرأة حقا في إنهاء الحياة الزوجية إذا شاءت، وقد بَيَّنَه رسولُ الله بأقواله وتطبيقاته.

بناء على ما سبق فإنه لا يجوز للمرأة أن تشترط أن تكون العصمة بيدها، لأن الطلاق حق الرجل، فيكون شرطها باطلا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط»[6]

وقد جعل لها الشرع بديلا أفضل وهو الفدية فتلتزم بما أقرَّ لها الشرع فلا تَعدِل عنه إلى غيره.



[1] المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه. (مفردات ألفاظ القرآن مادة: عرف).

[2] البخاري، الطلاق، (1، 3، 55، 45) ومسلم الطلاق (1، )14. النسائي، الطلاق (13، 15، 19). ابن ماجة، الطلاق ( 1،3). الدارمي، الطلاق 1، 3. الموطأ، الطلاق 53. سنن أبي داود، الطلاق 4, الترمذي، الطلاق.

[3]  سنن أبي داود، الطلاق 4، الحديث رقم (2185).

[4] الموطأ، كتاب الطلاق، 11 (31).

[5] المدونة الكبرى لمالك بن أنس، 2/341، دار الصدر، بيروت.

[6] مسند أحمد  (25786) ، ومسلم (1504) (9) ، وابن ماجه (2521) ، والبيهقي في “السنن” 5/336  ومالك في “الموطأ” 2/780-781، والبخاري (1563) و (2168) و (2729) ، وأبو داود (3930) ، وأبو يعلى (4435)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.745 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع