كتابة الأجل
حبل الله > الإيمان > الفتاوى > المناقشة تاريخ النشر: 18/04/2015 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: كثيرا ما يُفهم من قوله تعالى: (اذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أن الأجل الذي من جملته الموت مقدر بوقت معين فلا يسع الشخص التقديم فيه أو التأخير. وقوله المنان الكريم: (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) دال على تحريم إلقاء النفس إلى الهلاك. وكيف يمنع الشخص من قتل نفسه او غيره مع أن السن محدد تحديدا جازما. أجاب أحد أصدقائي: للإنسان المسلم مجالان: مجال الاعتقادية ومجال الاكتسابية. وأما فى مجال الاعتقادية فيجب علينا الاعتقاد بأن أفعالنا أو أحوالنا كتبها الله لنا ولا فرار منها. وهذا الاعتقاد لا يستلزم عدم الاحتياج إلى السعي والاختيار فى مجال الاكتسابية لأن الله تعالى لا يُعلم أحدا ماذا سيحدث عليه غدا. يا سماحة الشيخ، ما رأيكم بجواب صديقي؟ جزاكم الله أحسن الجزاء!

الجواب: لقد أجاب صديقك بما يعلم، وقد تعلَّم ما وجد عليه الناس في هذا الموضوع، وهو من الموضوعات التي أخطأ علماء العقيدة في توضيحها وشرحها؛ لأنهم أعطوا كلمة القدر المذكورة في القرآن معنى غير الذي أراده الله تعالى، فتوالت الأخطاء ودخل الناس في العنت بعدما أصبح موضوع القدر طلاسم يجب عليك أن تؤمن به رغم تناقضه وعدم خضوعه لأدنى درجات المنطق.

وسنجيب على تساؤلك بشيء من التفصيل:

الأجل هو المدة المعينة لشيء ما. قال الله تعالى: «مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ» (الأحقاف، 46/3). وقال الله تعالى في حق الإنسان: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» (الأنعام، 6/2).

هناك آيات تتحدث عن أجل واحد للكون، وعن أجلين للإنسان؛ أحدهما هو الأجل الموجود في الكون كله ويطلق عليه الأجل المسمى. أما الأخر فهو الأجل الطبيعي، والأجل الطبيعي هو مدة صلاحية الجسد ليبقى على قيد الحياة، وحين ينتهي الأجل يموت الإنسان كما تفقد الأغصانُ الحياةَ بالجفاف. أما الأجل المسمى فهو مدة يعيشها الإنسان وعند انتهاء هذه المدة يموت. ولو كان الأجل الطبيعي لإنسان ما مئة سنة مثلا، فمن الممكن أن يكون أجله المسمى ستين سنة. ولا يعلم هذا الأجل إلا الله.

والمدة التي عاشها الإنسان في الدنيا هي مدة بقاء الجسد حيا. فقد يموت الإنسان بأسباب مباشرة منه أو بسبب غيره من الناس. ويحدث ذلك قبل أن ينتهي الأجل المسمى المخصص له. قال الله تعالى: « لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (الرعد، 13/38-39). «… وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » (الفاطر، 35/11).

ونفهم من الآية أن شيئين يكونان سببا في نقصان الأجل؛ أحدهما السلوك السيئ. والآخر عدم فداء النفس في سبيل الله تعالى. ذلك أن أجل الإنسان ينقص بسبب سلوكه السيئ، ويتسبب السلوك السيئ بنقصان أجل الآخرين كذلك.

كما ينقص أجل الإنسان بما كسبت يداه. فيونس عليه الصلاة والسلام وقومه خير مثال على أن السلوك غير العادي للإنسان ينقص أجله. قال الله تعالى: «.. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ. وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ» (الصافات، 37/139-148).

ثم عاد يونس عليه الصلاة والسلام إلى قومه فآمن به قومه الذين لم يؤمنوا به من قبل ونجوا من الهلاك. كما أخبر الله تعالى عنها بقوله: « فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ » (يونس، 10/98).

فلذلك دعى الأنبياء الناس إلى التوبة وإلى العيش حتى نهاية الأجل المسمى قال الله تعالى: «قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى». (إبراهيم، 14/10).

وقد التقم الحوت يونس، وظن أنه دخل في مكان مظلم. ولو علم أن الحوت قد التقمه لعرف تحقق الموت ولعلم أن التوبة لا تنفع في هذه الحالة فهو نبي مرسل يعرف ذلك الحكم وهو حكم الله المذكور في الآية السابقة. وعدم معرفته المكان أعطاه فرصة التوبة والتسبيح. كما قال الله تعالى: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ» (الأنبياء، 21/87-88).

ينقص أجل المجتمع وأفراده بما اقترفوا من الذنوب،  فيمحى بعض عمره من الأجل المسمى. وعلى سبيل المثال؛ الأجل المسمى لفرد من الأفراد أو لمجتمع من المجتمعات مائة سنة، وبسبب ما اقترفوا من الأخطاء ينقص ذلك الأجل إلى ثمانين سنة، فعندما يتم الثمانين فإنّ العمر ينتهي. وحين يأتي الأجل لا يسبقونه، ولا يملكون فرصة للتوبة كفرعون, ولكن لو تابوا قبل أن يتموا ثمانين سنة ولو بزمن يسير لأخر أجلهم كما كان في يونس عليه السلام وقومه.

 تتفاعل الأحداث بعد اتخاذ القرارات. ولا يحدث شيء إلا بعد أن يكتبه الله تعالى، كما لا ينفذ الجزاء إلا بعد أن تصدر المحكمة قرارا مكتوبا. قال الله تعالى: « مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (الحديد، 57/22).

والضمير في «أن نبرأها» يعود على الأحداث، والمعنى قبل أن نخلق تلك الأحداث، وما يؤيد ذلك قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» (آل عمران، 3/145).

وبعد الكتابة لا مناص من حدوث ما كُتِب. قال الله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» (آل عمران، 3/154).

وكما أنَّ للأفراد أجلا فإنّ للمجتمعات أجلا كذلك. قال الله تعالى: « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (الأعراف، 7/34). « قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (يونس، 10/49).

ولو تاب القوم قبل نزول العذاب سيكتمل لهم أجلهم المسمى. مثل قوم يونس عليه الصلاة والسلام. وعلى سبيل المثال المجتمع الذي نقص عمره من مائتي سنة إلى مائة وخمسين سنة، فلو تابوا قبل نزول العذاب لاستحقوا أن يكتمل لهم عمرهم إلى مائتي سنة. قال الله تعالى: « ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (الأنفال، 8/53).

روي عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ _شَكَّ مُوسَى_ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».[3]

وكذلك الأمر في قتل النفس. فمن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه أن يقتل. قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى » (البقرة، 2/178).

القصاص: هو أن يُقتل القاتل. لأن المعتدي يعاقب بمثل ما اعتدى. قال الله تعالى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ » (النحل، 16/126). وسبب كون جزاء القاتل القصاص هو عدم قدرته على إحياء المقتول. والله هو الذي أحيا وأمات. و من ينهي حياة أحد متعمدا يُعد قاتلا ومجرما عند الله تعالى. فيقتل لأنه قاتل وأمّا جرمه فلا يعفى بالقصاص.كما أنَّ من كسر زجاج النافذة لا يصبح بريئا من الذنب بتركيب زجاج جديد. كذا القاتل لا يصير بريئا بقتله قصاصا بل عليه أن يخلد في نار جهنم جزاءً بما فعل. قال الله تعالى: « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» (النساء، 4/93).

ولو كان عمر المقتول انتهى طبيعيا لما كان القاتل مجرما ولما استحق أن يقتل جزاءً لقتله. ولما كان معنى لحرمة قتل الإنسان. قال الله تعالى: « وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا» (الاسراء، 17/33). وهذا يدل على أن المقتول لم يمت بأجله.

ومن قتل في سبيل الله ينقص من أجله المسمى عند الله، ويعطي الله أجره أضعافا مضاعفة جزاء ما قدمه في سبيل الله. قال الله تعالى: « وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (آل عمران، 3/157).

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. أشكر لكم هذا الطرح الطيب
    جزاكم الله خيرا على هذا البيان الرائع الذي كشف الغمة عن العقل والقلب في بيان القدر على أسسه الصحيحة .

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.394 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع