فضرب الرقاب
السؤال: قرأت في موقعكم مقالة بعنوان "هل الاسلام دين حرب؟" حيث سردتم الأدلة القوية والمنطقية على كون الاسلام دين يدعو إلى السلم، وقد أعجبني حقا ما ورد فيها. ومع ذلك ما زلت أجد في نفسي شيئا عندما أقرأ مثلا قول الله تعالى "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق" فهذه الآية تتحدث عن ضرب الرقاب وعن الاثخان وشد الوثاق، وهي كما تعلمون عبارات غليظة توحي أن الاسلام دين حربي وليس سلمي. أرجو من فضيلتكم توضيح المسألة.

الجواب: الآية التي سقتها في سؤالك تتحدث عن حالة نشوب الحرب بدلالة قوله تعالى “فإذا لقيتم الذين كفروا” فالذين كفروا استعدوا للقتال وبدؤوا العدوان، وقد أذن الله تعالى بقتال المعتدين بقوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 190) كما يظهر من الآية فإن الله تعالى لم يعط الحق في حرب المعتدي مطلقا وإنما قيده برد الاعتداء وبعدم التعدي، والمقصود رد الاعتداء بما يضمن أمن المسلمين. والدفاع عن النفس مشروع بالفطرة ولا يجرّمه عاقل.

ولنا أن نتساءل كيف يمكن رد الاعتداء؟ هل يمكن رده بدخول الحرب على استحياء؟! طبعا هذا غير ممكن. إذ أن حالة الضعف ستغري العدو بمواصلة العدوان؛ لأن قاعدة السلوك الحربي تقول إن الضف يغري.

أمام هذا الحال فلا بد أن يُشرع القرآن الكريم للمسلمين ما يحسم نتيجة المعركة لصالحهم بما يؤدي ليس فقط لرد الاعتداء وإنما للقضاء على باعث الحرب في نفوس العدو. والقرآن إذ يُشرع ذلك فلا يغفل حقيقة النفس الانسانية التي خلقها الله تعالى وهو أعلم بما يصلحها.

يقول الله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد،4) هذه الآية تتحدث عن دخول الحرب التي يعمل المسلم جاهدا لدفعها استجابة لأمر الله تعالى إياه {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت، 34) ، فإن نفذت حلية دفع الحرب بالحوار فلا بد من دخولها، ومعلوم أنه لا يتم تبادل الهدايا والتحايا في الحرب، وإنما هو الضرب بقوة والصدمة التي توقف زحف العدو وتقضي على أطماعه، وتقنعه بعدم جدوى مواصلة الحرب.

فقوله تعالى {فضرب الرقاب} يدل على ضرورة الهجوم الكاسح الذي يؤدي إلى صدمة العدو، وذلك بدلالة الفاء التي تفيد السرعة في تنفيذ الفعل. أما ذكر الرقاب فيفيد الجدية وعدم التهاون في أمر العدو، ولا شك أن مبادرة العدو بالهجوم القوي وضربه دون هوادة يؤدي إلى تقهقره ومن ثم إنهاء الحرب في أقل مدة ممكنة.

وأما قوله تعالى {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} أي إذا وصل العدو إلى الحالة التي يعجز فيها عن مواصلة الهجوم فلا بد من البدء بالعمل على عدم تمكينه من الفرار وتجميع صفوفه من جديد، والآية تأمر بالأسر لتحقيق ذلك وليس بمواصلة قتالهم؛ لأن مواصلة قتال العدو رغم ظهور علائم ضعفه وانهزامه يعني استئصاله، وهذا ليس مقصود الحرب في الاسلام، فالهدف من الحرب رد الاعتداء وليس قتل العدو، وإن كان رد الاعتداء دون قتال العدو مستحيلا في بداية المعركة فإنه أصبح ممكنا عند تقهقره في نهايتها؛ فكان الأسر بديلا عن مواصلة القتل. واتخاذ الأسرى يهدف إلى إنهاء حالة الحرب وليس فقط إنهاء المعركة.

وقوله تعالى {فشدو الوثاق} يدل على ضرورة الإسراع في القبض على أكبر عدد من محاربي العدو بعد تقهقرهم؛ حتى لا يتمكن من تجميع صفوفه مرة أخرى فيطول أمد الحرب. ولا شك أن اتخاذ الأسرى يهدف إلى تعجيل إنهاء الحرب، وعدم التهاون مع الأسباب التي تؤدي إلى دوامها.

يظهر من خلال الآية السابقة الحرص على إنهاء الحرب بأقصى سرعة ممكنة، حتى لا تطول فتُهلِكَ الحرث والنسل، وليس المقصود في الآية مجرد القتل والأسر، فلا يمكننا فهم الآية بمعزل عن الآيات المتعلقة بالموضوع. وبالجمع بين الآيات يتبين لنا أنّ هذه الآية هي تشريع عظيم يهدف لانهاء الحرب وإرساء السلم.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. هل عاتب الله تبارك وتعالى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه تعجل واتخذ أسرى قبل أن يثخن في الأرض كما ورد في الآية الكريمة؟ فإذا كان الأمر كذلك فأين وجه الرحمة الذي يفهمه من يتلو الآية . سؤالي رغبة في الرد على من يسألني من طالباتي وجزاكم الله خيرا

    • جمال نجم dedi ki:

      الجواب: لا بد من إيراد الآية محل السؤال أولا؛ حيث قال الله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)

      إن لقاء العدو له ما يبرره ، وتبرير لقاء العدو وقتاله قد بينته الآية 190 من سورة البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 190)

      وبحسب الآية فإنه لا يجوز للمسلم أن يبدأ بالقتال، لأنه اعتداء، والله لا يحب المعتدين. أما تشريع القتال في الاسلام فكان لضرورة دفع العدو حال اعتدائه.

      وبناء على ذلك نفهم الآية 4 من سورة محمد أن لقاء المسلمين بالعدو يكون في حالة خروج المسلمين لدفع عدوان الكافرين. وإذا كان لا مندوحة من اللقاء والاقتتال فتلك هي الحرب، ولا يتم تبادل التحايا والهدايا فيها وانما القتل المتبادل.

      ورحمة الاسلام تتجلى في الحرب أيضا، ومن صور ذلك عدم جواز الاسر قبل اثخان العدو، لأن من شأن ذلك أن يستجمع العدو قواه ويواصل الحرب من جديد فتزهق أرواح جديدة.

      ويستمر التشريع الرحيم بتقريره الأسر بعد اثخان العدو، لأن عدم الأسر يعني استئصال العدو عن بكرة أبيه، وليس هذا مقصود الاسلام قطعا، بل المقصود كف أذاه وإقامة الحجة عليه بعد ذلك

      ويظهر من خلال الآية السابقة الحرص على إنهاء الحرب بأقصى سرعة ممكنة، حتى لا تطول فتُهلِكَ الحرث والنسل، وقد ظهر هذا الحرص في تشريعين مهمين حوتهما الآية:

      الأول: قوله تعالى {فضرب الرقاب} يدل على ضرورة الهجوم الكاسح الذي يؤدي إلى صدمة العدو، وذلك بدلالة الفاء التي تفيد السرعة في تنفيذ الفعل. أما ذكر الرقاب فيفيد الجدية وعدم التهاون في أمر العدو، ولا شك أن مبادرة العدو بالهجوم الصاعق والضرب دون هوادة يؤدي إلى تقهقره ومن ثم إنهاء الحرب في أقل مدة ممكنة.

      الثاني: قوله تعالى {فشدو الوثاق} أيضا يدل على السرعة في القبض على أكبر عدد من محاربي العدو بعد تقهقرهم؛ حتى لا يتمكن العدو من تجميع صفوفه مرة أخرى فيطول أمد الحرب. ولا شك أن اتخاذ الأسرى يهدف إلى تعجيل إنهاء الحرب، وعدم التهاون مع الأسباب التي تؤدي إلى دوامها.

      وخلال بقاء الأسير في قبضة المسلمين لا بد أن يلقى معاملة خاصة تليق بإنسانيته اولا، كما تليق بآسره المسلم صاحب الرسالة العظيمة ثانيا. وقد أورد القرآن الكريم تعبيرا غاية في الحض على اللطف بالأسير وحسن التعامل معه والبذل في سبيله، في سياق وصفه سبحانه للأبرار من عباده حيث قال تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (الإنسان، 8_9)
      وقد ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي التطبيق العملي لما دعا إليه القرآن الكريم، أمثلةٌ كثيرة على حسن تعامله صلى الله عليه وسلم مع الأسرى .

      ملاحظة: يمكنك الاطلاع على مقالتنا في معاملة الاسير في الاسلام على هذا الرابط ففيها مزيد من التوضيح:
      http://www.hablullah.com/?p=2320

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 3.270 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع