الحكمة من إباحة تعدد الزوجات ضمن شروطه
السؤال: هل أباح الاسلام للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة؟ وما هي الحكمة من ذلك؟ أليس هذا بظلم للمرأة؟

الجواب: قال الله تعالى{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (النساء،3) يفهم من قوله تعالى { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } جواز زواج الرجل اثنتين، وإن شاء ثلاثا وان شاء أربعا كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء؛ لأن المقام مقام امتنان وإباحة[1]. وهذا التعدد ليس واجبا أو مندوبا بل هو مباح تستدعيه الحاجة او الضرورة في بعض الحالات، وقد ذكر سبحانه وتعالى في نهاية الآية أنه إن خاف من عدم تحقيق العدل بين نسائه فعليه بواحدة.

وقال تعالى أيضا {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء،129) ، وهذه الآية تدل أيضا على جواز التعدد، ولو كان حراما لنصت على حرمته وبينت مساوئه دون ذكر تفاصيل أحكامه.

ونفهم من الآيتين السابقتين أنه يشترط للتعدد شرطان أساسيان هما؛ القدرة والعدل.

الحكمة من مشروعية التعدد:

 يتميز التشريع الإسلامي بالربانية، أي أنه تشريع رب العالمين الذي خلق الخلق وهو أدرى بما يحقق لهم المصلحة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك، 14) ومن نظر إلى إباحة التعدد ضمن ضوابطه الشرعيه يرى حكمة تشريعه في الأمور الآتية[2]:

1_ هذا التعدد ليس واجبا ولا مندوبا، وإنما هو أمر أباحه الاسلام، لأن ثمة مقتضيات عمرانية وضرورات إصلاحية لا يجمل بمشترع إغفالها، ولا ينبغي له التغاضي عنها.

ذلك أن للاسلام رسالة إنسانية عليا كلف المسلمون أن ينهضوا بها، ويقوموا بتبليغها للناس، وهم لا يستطيعون النهوض بهذه الرسالة إلا إذا كانت لهم دولة قوية، قد توفر لها جميع مقومات الدولة: من الجندية، والعلم، والصناعة، والزراعة والتجارة، ولا يتم ذلك إلا بكثرة الأفراد العاملين.

ولقد أدركت الدول الحديثة قيمة الكثرة العددية وآثارها في الإنتاج، وفي الحروب، وفي سعة النفوذ، فعملت على زيادة عدد السكان بتشجيع الزواج ومكافأة من كثر نسله من رعاياها لتضمن القوة والمنعة، حتى أن بعضا من هذه الدول تستقطب إليها المهاجرين لزيادة نسبة السكان فيها.

2_ ثم إن استعداد الرجل للتناسل أكثر من استعداد المرأة، فهو مهيأ للعملية الجنسية منذ البلوغ إلى سن متأخرة. بينما المرأة لا تتهيأ لذلك مدة الحيض (وهو دورة شهرية قد تصل إلى عشرة أيام) ولا تتهيأ كذلك مدة النفاس والولادة (وقد تصل هذه المدة الى أربعين يوما) يضاف الى ذلك ظروف الحمل والرضاع. واستعداد المرأة للولادة ينتهي بين الخامسة والأربعين والخمسين، بينما يستطيع الرجل الإخصاب إلى ما بعد الستين، ولا بد من رعاية مثل هذه الحالات ووضع الحلول السليمة لها.

وقد يوجد عند بعض الرجال – بحكم طبيعتهم النفسية والبدنية – رغبة جنسية جامحة، إذ ربما لا يكتفي بامرأة واحدة. وأمام هذه الفوارق الجبلية بين الرجال والنساء كان لا بد معالجة حكيمة لهذا الأمر.

يقول سيد قطب عن هذه القضية[3]: إن من الأمور الواقعية التي لا نستطيع أن ننكرها أنّ الزوج يرغب في أداء الوظيفة الفطرية (الجنس) وقد لا تكون لدى المرأة رغبة في معاشرة الرجل لمرضها أو كبر سنها مع وجود رغبة مشتركة لدى الزوجين في دوام الحياة الزوجية وكراهية الإنفصال وهنا نجد أنفسنا في مواجهة هذه المشكلة أمام ثلاثة احتمالات هي:

أ- أن نكبت الرجل ، ونمنعه بالقوة من مزاولة نشاطه الفطري.

ب- إعطاء الرجل الحرية في معاشرة من يشاء من النساء (الساقطات).

ج- أن نبيح لهذا الرجل أن يتزوج بامرأة ثانية مع الإحتفاظ بزوجته.

ويظهر هنا أنّ الاحتمال الأول ضد الفطرة ، وفوق طاقة الإنسان ، وإذا أكرهناه على ذلك فالنتيجة ستكون حتماً كراهية الحياة الزوجية والنفور منها.

أمّا الإحتمال الثاني فهو ضد الأخلاق الإسلامية ، ويخالف المنهج الإسلامي الرامي إلى تطهير الحياة البشرية وتزكيتها.

ويكون الإحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الحياة الفطرية الواقعية ويحقق المنهج الإسلامي ، ويحتفظ للزوجة الأولى بالرعاية ودوام العشرة.

3_ وقد تكون الزوجة عقيما لا تلد، أو مريضة مرضا لا يرجى شفاؤها منه، وهي مع ذلك راغبة في استمرار الحياة الزوجية. فيكون زواجه من أخرى حلا يرضي الطرفين.

هذه بعض الأسباب الخاصة والعامة التي لاحظها الاسلام، وهو يشرع لا لجيل خاص من الناس، ولا لزمن معين محدود، وإنما يشرع للناس جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمراعاة الزمان والمكان لها اعتبارها، وتقدير ظروف الأفراد لا بد وأن يحسب حسابها.

الآثار المترتبة على منع التعدد

1_ منع التعدد قد يدفع البعض للعلاقات خارج إطار الزواج وما يترتب على ذلك من شيوع للفسق، وما يتبعه من كثرة في مواليد السفاح.

2 – العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج تورث الأمراض البدنية الخبيثة والعقد النفسية والإضطرابات العصبية.

3 – انحلال عرى الصلات الوثيقة بين الزوج وزوجته، واضطراب الحياة الزوجية وانفكاك روابط الأسرة.

4 – ضياع النسب الصحيح للأولاد، حتى أن الزوج لا يستطيع الجزم بأنّ الأطفال الذين يقوم على تربيتهم هم من صلبه.

5 – إنّ منع التعدد في بعض الدول الإسلامية أدى لظهور زيجات بعيدة عن روح الإسلام وحكمة التشريع، وقد ترتب على ذلك هدر لحقوق النساء لعدم اعتراف الدول المعنية بهذه الزيجات بحكم أنها مخالفة للقانون.

فهذه المفاسد وغيرها كانت النتيجة الطبيعية لمخالفة الفطرة والإنحراف عن تعاليم الله تعالى، وهي أقوى دليل وأبلغ حجة على أنّ وجهة الإسلام هي أسلم وجهة، وأنّ تشريعه هو أنسب تشريع لإنسان يعيش على هذه الأرض.

نفهم مما سبق أنه ليس ثمة ظلم للمرأة في التعدد رغم أننا نسلم بوقوع الظلم عليها من كثير من الرجال الذين يعددون، والمشكلة في فهم هؤلاء الرجال لهذا الحكم وسوء تصرفهم، لكن الأمر سيكون أكثر سوءا وأشد خطرا لو كان التعدد ممنوعا؛ كما بينا في الآثار المترتبة على منع التعدد.



[1] ابن كثير،2/210

[2] فقه السنة،2/110- 125 بتصرف

[3] في ظلال القرآن ، جـ1 ص580-581.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.104 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع