حوار في الأصول

أصول تفسير القرآن الكريم

حوار مع فضيلة أ.د عبد العزيز بايندر

المقدمة

لقد عرف المسلمون علم التفسير من لدن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان عليه الصلاة والسلام خير من يفهمُ كلام الله سبحانه، فالقرآن الكريم عليه أُنزل، وقد تكفل صحابته رضوان الله عليهم ببيان ما أشكل على الناس فهمُه من كتاب الله، وكان في كل عصر من العصور علماءٌ يتولون شرحَ وتفسيرَ آيات الكتاب العزيز، وفي هذا العصر أيضا من تولى مهمة التفسير.. وحتى لا يُفَسَّرَ القرآنُ على غير ما أراد الله سبحانه، لا بد من الانضباط على أصول صحيحية للتفسير. وهذا الموضوع (الأصول في تفسير القرآن الكريم) ما سنناقشه مع فضيلة الاستاذ الدكتور عبد العزيز بايندر رئيس مركز بحوث الدين والفطرة وأستاذ الفقه والاصول بجامعة استنبول.. أهلا بكم

سؤال: هلا تفضلتم ببيان المقصود بأصول تفسير القرآن الكريم؟

الجواب: الأصول هي تلك القواعد والمباديء التي يعتمد عليها المفسر في تفسير آيات الكتاب العزيز. وهذه المبادئ والقواعد بينها الله تعالى في كتابه وأمر نبيه والمسلمين من بعده بالتزامها لاظهار الحكمة الموجودة في الكتاب من خلال تلك الاصول.

سؤال: هل يمكن أن تخبرنا بأهم هذه الأصول؟

الجواب: إن أهمّ هذه الأصول هو العلم بكتاب الله سبحانه علما كافيا يمكِّنُ المفسر من تفسير القرآن بالقرآن، وهذا يقتضي النظر العميق بجميع الآيات الواردة في الموضوع الواحد.  حيث قال الله تعالى: “تلك آيات الكتاب المبين” (يوسف، 21/2 ؛ الحجر، 15/1، الشورى، 26/2  ؛ القصص، 28/2  ؛ الدخان، 44/2). هذه الآية قد افتتح بها كثير من سور القرآن الكريم. وفي آية أخرى قال الله تعالى: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ” (النحل، 16/89). فقد وصف الله سبحانه كتابه بالمبين. والذي بينه هو الله تعالى، فالكتاب مبينٌ بنفسه. ولذلك نقول ليس لأحد صلاحية في بيان الكتاب إذ أنه مبين بنفسه.

سؤال: إن كان الكتاب مبين بنفسه فما هي وظيفة العلماء المفسرين؟

جواب: العلماء لا يبينون القرآن بالمعنى المتداول عند الناس، أي لا يرفعون الابهام عن الآيات؛ لأن آيات الله تعالى ليست مبهمة، وأنما دور العلماء والمفسرين يكمن في اظهار الحكمة من خلال معرفة العلاقات الثنائية بين الآيات والربط بينها، قال الله تعالى “الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ” (هود، 1_2) فمعرفة العلاقة بين المحكم وما يفصله هو وظيفة المفسر ومن خلاله يستنبط الحكمة.  وهذه الطريقة تشبه قدرة الناس على الاستفادة مما رزقهم الله تعالى؛ فالتأليف بين نوعين ينتج نوعا ثالثا وبين الأنواع الثلاثة ينتج مزيدا من الأنواع.

سؤال: فضليتك تشبه دائما تفسير القرآن بالقرآن ببسط الله سبحانه الرزق لعباده. ما وجه الشبه؟

الجواب: المشترك بينهما هو عدم الحصول على أيهما دون بذل الجهد وتحري الخير منهما، فكما أنه لن يعيش الشخص حياة كريمة إلا بالعمل والإنتاج، فكذلك لا يمكن فهمُ آياتِ الكتابِ العزيز على الوجه الصحيح دون بذل الجهد والتمعن والتدبر والتفقه في أحكامه ومعانيه، فانظر مثلا؛كم نبذل من الجهد لتأتي قطعة الخبز إلى المائدة! كم من الأيدي عملت؟ وكم من الجهود بُذلت؟ ابتداء بالزراعة والحصاد وانتهاءً بتقديمها على موائدنا وما بينهما من الأعمال اللازمة.

والإستفادة من القرآن الكريم مثل الإستفادة مما بسط الله تعالى من أسباب الرزق. وكثير من الآيات لا تحتاج إلى بذل الجهد في تفسيرها. غير أننا نحتاج إلى بذل جهد وافر للوصول إلى معاني بعض الآيات. وقد تكفل الله تعالى ببيان القرآن حيث وضح لنا طريقة الوصول إلى كيفية تفسير الآيات. قال الله تعالى مخاطبا نبيه: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” (القيامة، 75/16-19)

سؤال: نصوص القران محدودة والحوادث لا حصر لها ، والله سبحانه يقول ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) وهذه الاية تشير الى ان آيات الكتاب العزيز رغم محدوديتها الا انها تغطي جميع جوانب الحياة . كيف يمكننا فهم ذلك؟

الجواب: القرآن الكريم هو كتاب هداية وليس كتاب علوم طبيعية كما يحلو للبعض وصفه، ورغم كونه كتاب هداية إلا أنه يحوي الكثير من الاشارات الكونية التي من خلال النظر فيها يمكن الوصول الى نتائج علمية هائلة. أما عدم تفريط الكتاب بشي، ففيه الإشارة إلى الغاية من إنزاله؛ فكتاب الله تعالى نزل هدى للعالمين، وفيه كل شيء يوصلك إلى رضا الله تعالى وتحقيق الحياة الكريمة.

وللوصول إلى تفسير القرآن الكريم والاستفادة منه لا بد من معرفة المناسبات والروابط بين الآيات، وهي تشبه مناسبة الأرقام فيما بينها، فهناك أرقام من صفر إلى تسعة، ويتم بها كل ما نريد من الحسابات والإحصائيات؛ فإنّ باستطاعة كل إنسان أن يستفيد من تلك الأرقام على قدر معرفته الشخصية. وكذلك الإستفادة من القرآن الكريم؛ حيث إن البعض يقرأ القرآن الكريم من أجل الثواب فقط، وقد سماهم القرآن بـ ال «أميين». وعند البعض الآخر ملكة تبلغهم معرفة التفسير والبيان، وهؤلاء يسمون بـ «الراسخون في العلم».

سؤال: إذن كما أنه يمكننا انشاء عمليات حسابية لا حصر لها بالأرقام من صفر الى تسعة فكذلك يمكننا استنباط الأحكام والعلوم بلا حصر من القرآن الكريم رغم محدودية آياته.

الجواب: نعم هو كذلك. وأضرب لك مثلا بحادثة احضار عرش بلقيس من اليمن الى القدس الشريف، قال تعالى: “قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”.. ولعلك تتساءل كيف استطاع هذا الشخص احضار العرش بهذه السرعة الهائلة؟

لقد استمد هذا الشخص علمه من التوراة، لأنه كان ملازما لنبي من أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى وهو سليمان عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن يفهم من «الكتاب» غير « التوراة».

وفي حادثة إحضار العرش لفتة لا بد من الإشارة إليها. قال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان عليه الصلاة والسلام «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» إذ لم يكن هذا من قبيل المعجزة أو الكرامة، وإنما هو العلم المحض من كتاب الله تعالى كما بينته الآية. وهذا العلم لا بد وأنه يوجد في القرآن الكريم مثله أو أعظم، ويمكن الوصول إلى هذا العلم بإستقراء الأساليب التي بينها القرآن الكريم.

سؤال: هل كان هذا الشخص ( الذي احضر العرش) على علم بكل ما جاء في التوراة ؟

الجواب: إنّ التعبير بـ «الذي عنده علم من الكتاب» بدل التعبير بـ «الذي يعلم الكتاب» مهم للغاية؛ إذ لا يلزم معرفته للكتاب كله، بل كان كافيا أن يعرف الآياتِ المتعلقةَ باختصاصه، وهي معرفةُ الإتيان بالأشياء البعيدة. واليوم هناك محاولة في استشعاع الأشياء، (محاولة إرسال الأشياء باستعمال قوة الأشعة) وما زال هذا الأمر من قبيل الخيال العلمي بالرغم من حدوثه أو مثله في عهد سليمان عليه السلام.

سؤال: هل يمكن أن يحصل هذا في المستقبل إذا اعتمد العلماء المتخصصون في هذا المجال على القرآن كمنطلق لأبحاثهم؟

الجواب : هذا ممكن من حيث المبدأ ؛ لأن الشخص الذي قام بإحضار العرش كان لديه هذا العلم من كتاب الله ( التوراة). كما يمكننا استلهام الآيات المتعلقة بالنفاذ من أقطار السماوات والأرض لتكون منطلقا علميا لوكالات الفضاء لتحقيق اختراق علمي هائل يمكن الانسان من تجاوز حدود المجموعة الشمسية. قال الله تعالى “يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ” (الرحمن، 33)

سؤال: قلنا في مقدمة هذه اللقاء إن خير من يفهمُ كلام الله تعالى هو الرسول صلى الله عليه وسلم .. هل يمكن أن تبين لنا دورَ النبي عليه السلام في تفسير القرآن الكريم ؟

الجواب: قال الله تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل، 16/44). فقد تولى عليه الصلاة والسلام تطبيق القرآن الكريم واظهار الحكمة المركوزة فيه وذلك بمعرفتة العلاقات والروابط بين الآيات، شأنه بذلك شأن كل نبي بلغ الكتاب والحكمة.

 ولقد  أكد القرآن الكريم أن بيانه صلى الله عليه وسلم مُصدَّق. قال الله تعالى: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ» (الحاقة، 69/44-47).  «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (المائدة، 5/67).

سؤال: ربما فهمنا من كلام فضيلتكم أن تفسير القرآن وبيانَه جزءٌ من وظيفة التبليغ التي أُمر بها النبيُ صلى الله عليه وسلم.. هل تطبيقه عليه الصلاة والسلام للوحي يعتبر تفسيرا للقرآن الكريم؟

 الجواب: نعم هو كذلك، حيث يُفهمُ من الآيات أنّ التبليغ: هو أداء رسالة الله إلى الناس أداءً تاما دون زيادة أو نقصان، ويشمل ذلك تعليمَ الناس ما أوحي إليهم وبيانَه لهم. فالتبليغ هو الوظيفة الكبرى للنّبي. لذا ختم الرسول صلى الله عليه وسلم كلّ جملة قالها في خطبة حجة الوداع بقوله «ألا هل بلّغت؟» وكررها ثلاثا، وأجاب الصحابة قائلين «نعم بلغت».

سؤال : لا بد من الموافقة بين الكتاب والسنة. هذا القول يكاد يكون محور ما تدعون إليه دائما. سؤالي لفضيلتكم، هل السنة تعتبر مصدرا مستقلا قد تشرع أحكاما ليس لها أساس في كتاب الله؟

الجواب: السنة ليست مصدرا مستقلا عن القرآن، بل هي تابعة للقرآن الكريم. قال الله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» (يونس، 10/15). وقال تعالى: «اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » (الأنعام، 6/106).

كما رأينا من هذه الآيات، فإن السنة تابعة للقرآن الكريم، ولا ينبغي أن توصف بغير هذا. وبناءً عليه لا يجوز التفريق بين التابع والمتبوع، كما لا ينبغي إعطاء التابع حكما مستقلا عن المتبوع. فيجب تناول كل موضوع أو قضية أو شأن من شؤون الأفراد والجماعة في وَحدةٍ مُتكامِلةٍ من الكتاب والسنة، وحينئذٍ يَتبيَّن لنا ويظهر جلياً أن أقوال وأفعال الرسول ﺻﻠﻰ اﷲ ﻋﻠﻴﻪ وسلم والتي تُركِت ظنًّا أنها مُخالفة لأصل عام أو متناقضة في نفسها- أنها تشرح موضوعات أُخرى. من أجل هذا يجب التَأنِّي في موضوع السنة، والبحث عما يرتبط بها من آيات القرآن الكريم. وبهذا المنهج يمكن التحرز من الأحاديث الموضوعة.

سؤال: من المعلوم أن الله أنزل كتبا على أنبيائه قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . هل يمكننا الإستفادة من تلك الكتب كالتوراة والإنجيل في تفسيرنا للقرآن الكريم؟

الجواب: إنّ من المعروف بداهة أنّ الوحي إلى جميع الأنبياء صدر من مشكاة واحدة، فإن كان الأمر كذلك فلا بد من أن تكون سلسلة الوحي متكاملة من أول الأنبياء إلى آخرهم، وعليه فآيات القرآن الكريم تحمل في مضمونها ما أوحي إلى نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى.  وقد ظهر هذا جلياً في قوله تعالى ذكره: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ» (الشورى، 42/13).

سؤال: ما حدود هذه الإستفادة ؟ بمعنى آخر هل يمكننا أخذ كل ما جاء في تلك الكتب كمصدر للتفسير؟

الجواب: طبعا هناك قيود، والمعلومات التي يمكن أن نستفيدها في التفسير  تمكننا من معرفة كيفية إقامة العلاقة معهم. قال الله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (آل عمران، 3/64).

ويمكننا أن نحصل على معلومات من الكتب السماوية السابقة تتعلق بالمجتمعات القديمة. قال الله تعالى: «ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً» (الإسراء، 17/6-7).

سؤال: هل نسخ القرآن الكريم جميع الأحكام التي كانت موجودة في الكتب السماوية السابقة؟

الجواب: كلا، الحقيقة أن القرآن الكريم هو خاتمة الرسالات وبه قد صدّق الله تعالى رسالاته إلى الخلق لهذا نجد أن الأصول واحدة سواء في الإيمان أو العمل؛ فما طُلب من السابقين أن يؤمنوا به هو ذاته ما طُلب منا الايمان به، وكذلك الأعمال التعبدية كالصلوات الخمس وصوم رمضان والزكاة والحج كل ذلك شرع لمن قبلنا وهو ما يظهر من قوله تعالى «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» (الشورى، 42/13).

 وما ذكرناه لا يعني أن جميع تشريعات القرآن التفصيلية وردت في الكتب السابقة، بل هناك من الأحكام ما نسخ وجاء في القرآن مثله أو خير منه . يقول الله تعالى: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (البقرة، 2/106).

س: إذن القرآن الكريم مصدق للكتب السماوية السابقة وناسخ لبعض احكامها. ما هي ميزة القرآن الكريم حتى يكون مصدقا وناسخا للكتب السماوية الأخرى؟

الجواب:

النسخ في اللغة؛ «إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه».[1] والقرآن الكريم هو آخر الكتب نزولا وبه قد نسخ سبحانه الكتب السابقة، فهو ناسخ ومهيمن على ما أنزل الله من كتاب، فالإتِّباع للقرآن الكريم هو اتباع للتوراة والإنجيل وما أنزل على النبيين قبل محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الأعراف، 7/157).

والقرآن الكريم بوصفه آخر الكتب نزولا، اقتضى أن يتميز بما يجعله كتاب هداية حتى قيام الساعة، وقد احتوى مقومات البقاء جميعها. وقد تكفّل الله جل شأنه بأن يظهر هذا الدين على الدين كله في غير آية من كتابه فقال تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة، 33) (الصف، 9) وقال أيضا {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (الفتح، 28) . ويمكننا أن نسرد النقاط التالية لإظهار تميز القرآن بما يجعله ناسخا ومهيمنا:

1_ حفظه من التحريف والتبديل، قال تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر، 9)

2_ القرآن الكريم هو آية صدق على أنه كتاب الله، فكل آياته وسوره تنطق بالحق، وفيها الدليل على أنه ليس من تأليف الإنس أو إيحاء الجنّ، قال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء، 82) والتحدي به ما زال قائما وإلى قيام الساعة. قال تعالى {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء، 88)

3_ كلما تقدمت المعارف والعلوم وجدت القرآن متقدما عليها، قال الله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (الفرقان، 33)

4_ ما ورد في القرآن من أصول وقواعد وأحكام يصلح لكل زمان ومكان، قال تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء، 9)، فهذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم، وصيغة التفضيل في هذا السياق لأنّ هذا الكتاب منفرد في هداية الخلق لما فيه الخير في الدنيا والآخرة. فكل نظام غيره قد يقود إلى الخير في الدنيا لكنه قاصر عن تحقيق الخير لصاحبه في الآخرة، فاستحق القرآن وصف الخيرية بصيغة التفضيل دون شك أو نزاع.

س: القرآن الكريم نزل بلغة العرب وهو يجري في أساليبه وتعابيره على ما ألفه العرب من البيان وأساليب الكلام . سؤالي لفضيلتكم عن أهمية اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم؟

الجواب:

قال الله تعالى: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم» (إبراهيم، 14/4)..

وقال تعالى: «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» (الشعراء، 26/93-195)

اللغة العربية لها أهمية بالغة في فهم القرآن الكريم لأنه نزل بلسان عربي مبين. وقد كثرت اليوم التطبيقات الخاطئة لقواعد اللغة العربية. والآية السابقة خير مثال على ذلك. حيث قال المفسرون في تفسيرها ” وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء (إضلاله) ويهدي من يشاء (هدايته) وهو العزيز الحكيم ” أي: إن المشيئة من الله فقط، ولا دخل للعباد في موضوع الهداية والضلالة. وهنا علينا أن نطرح سؤالا؛ وهو إذا كان الأمر كذلك، فلماذا  أرسل الله كل رسول بلسان قومه ليبين لهم، وما هي الفائدة في بيان الرسول لهم بلسانهم؟ وهل يصح هذا الأمر التناقضي في كلام الله تعالى؟ وهو العزيز الحكيم.

س: هل يمكن أن توضح لنا هذا الموضوع بشيء من التفصيل؟

الجواب:

نعم إنّ مصدر التضاد إرجاع الضمير المستتر في «يشاء» إلى لفظ الجلالة، وهذا مخالف للقواعد اللغوية. والصحيح أن الضمير المستتر في «يشاء يعود إلى «من» القريب. ولإعادة الضمير إلى البعيد لا بد من القرينة ولا يوجد هنا قرينة. والتفسير الصحيح للآية: ” وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء (الضلالة) ويهدي من يشاء (الهداية). أي:أن العبد هو الذي يختار الهداية أو الضلالة. والله تعالى خلق الناس وأعطاهم حرية الإختيار، لذا يستحقون الثواب أو العذاب على ما يختارون. قال الله تعالى: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً. إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً» (الإنسان، 76/1-5).

النهاية: بارك الله فيكم.. ولا يسعني في نهاية هذا اللقاء الا ان اتقدم بالشكر الجزيل لفضيلتكم على ما أفدتم به وأجدتم.. كما أتقدم بالشكر للأخوة والأخوات القراء الذين يسعدنا استقبال ملاحظاتهم.. والسلام عليكم ورحمة الله.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله  www.hablullah.com


[1] لسان العرب مادة: نسخ.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 3.850 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع