زكاة الفطر

زكاة الفطر

الزَّكاء النَّماء والرَّيْعُ. والزكاة ما أَخرجته من مالك لتهطره به، وقوله تعالى {وتُزَكِّيهم بها} قالوا تُطهِّرُهم. قيل الزَّكاةُ صفوةُ الشيء وزَكَّاه إِذا أَخذ زَكاتَه وتَزَكَّى أَي تصدَّق[1].

وأَصل الفَطْر الشق ومنه قوله تعالى {إذا السماء انْفَطَرَتْ} أَي انشقت ومنه أُخذ فِطْرُ الصائم لأَنه يفتح فاه ليأكل. والفِطْر نقيض الصوم[2].

وزكاة الفطر هي الصدقة التي تخرج عند الفطر من رمضان، وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان. ويقال لها الفطرة؛ لأن الفطرة الخلقة قال الله تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها} أي جبلته التي جبل الناس عليها، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس[3].

الحكمة من تشريعها تطهير من وجبت (صدقة الفطر) عليه بعد شهر الصوم من اللغو والرفث، والرفق بالمساكين بإغنائهم عن السؤال في يوم العيد ، وإدخال السرور عليهم في يوم فرح للمسلمين بقدوم العيد عليهم فلا يستثنى الفقراء والمساكين من فرحة العيد.

حكمها

حكمها الوجوب والأصل في وجوبها قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة، 184). ومعنى قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} أي على الذين يستطيعون الصيام. فيجب على الذين صاموا شهر رمضان بكونهم قادرين على ذلك، فدية طعام مسكين. يؤدونها طعمة للمساكين وطهرة لأنفسهم من اللغو والرفث.

وما يقي به الإنسان نفسه من مال يبذله في عبادة قَصَّرَ فيها يقال له: فدية، ككفارة اليمين وكفارة الصوم. نحو قوله: «ففدية من صيام أو صدقة أو نسك» (البقرة،196 ) «فدية طعام مسكين» (البقرة، 184).

وهي زكاة على البدن لا على المال، فعن عكرمة عن ابن عباس قال: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ).[4]

على من تجب؟

تجب صدقة الفطر على كل مسلم مكلف بالصوم، يخرجها المسلم عن نفسه وعمن تجب نفقتهم عليه كالأبوين والزوجة. ولا تجب على الصغير وهي مندوبة بحقه يخرجها عنه وليه إن شاء. وإن لم يملك ما يزيد عن حاجته وحاجة من يعيل طيلة ليلة العيد ويومه فإنها تسقط عنه؛ إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ولا شك أن إيجابها متعلق بمن فرض عليهم الصيام، فعن ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ)[5]

والصغير لا صيام عليه ولكن يندب إخراجها عنه. يخرجها عنه وليه وهو أفضل؛ لقوله تعالى في آية الفدية {فمن تطوع خيرا فهو خير له} {البقرة، 184)  وقد ورد ذكر الصغير في بعض الأحاديث، ومنها ما رواه ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال (فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ).[6] وهو ما يدل على كونها فريضة في حق الكبار مندوبة في حق الصغار؛ ولأن التكاليف عامة لا توجه نحو الصغار فيكون أداؤها عنهم قربة ولكنها ليست بفريضة .

فالصوم فرض على كل مسلم سواء أكان ذكرا أو أنثى، مملوكا أو أمة. وكذلك صدقة الفطر فريضة على كل مسلم، كما نفهم ذلك من الأحاديث النبوية السابقة ودلّ عليه قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} وبهذا نرى تطابق الآية مع بيان الرسول صلى الله عليه وسلم.

لمن تعطى صدقة الفطر؟

لا تصرف صدقة الفطر في مصارف الزكاة الثمانية، بل تعطى للمساكين خاصة لورود الأحاديث في ذلك فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)[7].

وقوله صلى الله عليه وسلم: (طعمة للمساكين) يدل على الجهة التي تصرف إليها وهم المساكين دون غيرهم. ويؤكد هذا الفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم)[8]  أي يوم العيد، فلا يجزئ إطعامهما إلا لمن يستحق الكفارة وهم الآخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطى منها المؤلفة قلوبهم ولا الرقاب ولا غير ذلك[9] .

وقت إخراجها

من ينظر إلى الأحاديث الواردة في هذا الخصوص يجد أن وقت وجوبها هو قبل صلاة العيد، ومن هذه الأحاديث (فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)[10]. وعن عكرمة قال: (يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (سورة الأعلى، 14 – 15)[11].

ولا يفهم أنه لا يجوز إخراجها قبل ذلك، ولكن يحرص المسلم على إخراجها قبل العيد بيوم أو بضعة أيام حتى لا تهدر قبل العيد فيفوت إحدى غاياتها، وهي إغناء المساكين عن السؤال في يوم العيد  وهذا ما كان يحرص عليه الصحابة رضوان الله عليهم فعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه قال: (وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)[12] .

ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، فإن أخرها فهي صدقة من الصدقات، لقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)[13]

جواز إخراج القيمة

قال الله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}. والمال في المعنى الأوسع كل ما له قيمة متعبرة شرعا، وفي المعنى الأخص الذهب والفضة، ويطلق في أيامنا على العملة. ونصُّ النبي صلى الله عليه وسلم على أصناف بعينها لا يعني الحصر بها وإنما هو من باب التنويه على المتاح والأكثر حضورا بين يدي الناس في زمانه.

وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم القيمة في إخراج صدقة الفطر عندما نص في بعض الروايات على التمر والشعير بصاع وعلى القمح بنصف صاع نظرا لارتفاع سعر القمح حينئذ. ويؤكد هذا الفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم)[14] .

فالمقصود من صدقة الفطر إغناء المساكين وسد حاجتهم وهذا يتحقق بالنقود أكثر من تحققه بالمواد. والقول بعدم جواز إخراج القيمة يلحق الضرر بالمساكين حيث يضطرون لبيع ما يأتيهم من التمر والقمح بأبخس الأثمان ليحصلوا على النقد مقابل ذلك فيتمكنوا من شراء ما يحتاجه أطفالهم للعيد.

تقدير القيمة

تقدر القيمة بحسب غالب طعام أهل البلد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (كنا نخرجها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير)[15]. وهذا دليل على أن ما ورد من أصناف بعينها ليس مقصودا بذاته وإنما لأنه غالب طعامهم. وبناء عليه ينبغي تقدير القيمة على حسب غالب قوت البلد من الطعام وإن لم يكن مذكوراً في الحديث. فمثلا لو كان غالب طعام أهل بلد من الأرز فينبغي إخراج القيمة بناء على ثمنه وليس بالضرورة على ثمن إحدى الأصناف المذكورة في الحديث.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

جمال نجم


[1]  انظر لسان العرب، مادة زكا

[2]  انظر لسان العرب مادة فطر

[3]  انظر المغني، باب صدقة الفطر فرض،2/646

[4] سنن أبي داود، باب الزكاة 18.

[5]  صحيح البخاري، 1504 ، ومسلم، كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير “4”، حديث “12/984″، وأبو داود “2/263، 264، 265″، كتاب الزكاة: باب كم يؤدي في صدقة الفطر، حديث “1611”، والنسائي “5/48″، كتاب الزكاة: باب فرض زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين، وابن ماجه “1/584″، كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر، حديث “1826”، والترمذي “3/61″، كتاب الزكاة: باب ما جاء في صدقة الفطر، حديث “676”، ومالك “1/284″، كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر، حديث “52”.

[6] البخاري، كتاب الزكاة، 77.

[7]  رواه أبو داود، باب صدقة الفطر، 1611 ، وابن ماجة والحاكم وصححه

[8]  رواه الدارقطني في “السنن” ( 2 / 152 – 153 / 67 )، والبيهقي ( 4 / 175 )، والحاكم في “معرفة علوم الحديث” ص (131)، وابن عدي في “الكامل” ( 7 / 2519 )، وحميد بن زنجويه في “الأموال” ( 2397 )، وابن حزم في “المحلى” ( 6 / 121 ) . ورغم ضعف الحديث إلا أن معناه مجبور بحديث (طعمة للمساكين)

[9]  مجموع الفتاوى 25/ 73.

[10]  حسن. رواه أبو داود ( 1609 )، وابن ماجه ( 1827 )، والحاكم ( 1 / 409 ). وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.

[11]  انظر فتح الباري 3/ 472.

[12]  صحيح البخاري، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك، 1440

[13]  رواه أبو داود برقم (1609)، وابن ماجه برقم (1827)، وحسَّنه الألباني (الإرواء برقم 843).

[14]  رواه البيهقي في السنن الكبرى، باب وقت اخراج صدقة الفطر، 7990 والحاكم والدارقطني وغيرهم.

[15]  متفق عليه وهو في صحيح البخاري باب الصدقة قبل الفطر، 1439

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول قادر سفر:

    السلام عليكم اخي جمال
    هل من جديد حول جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر وهل هناك فرق بين القيمة والنقد

    • يقول جمال نجم:

      وعليكم السلام ورحمة الله

      بخصوص إخراج القيمة في زكاة الفطر فلا حرج فيه، إذ أن الأصل في الأوامر الشرعية المتعلقة بالمعاملات النظر إلى المعاني وليس إلى مباني الألفاظ، ولو نظرنا إلى علة تشريع صدقة الفطر لرأينا أنها طهرة للصائمين ولإغناء الفقير عن السؤال في يوم العيد، وهذا يتحقق بالنقد أكثر منه بالطعام. فالبر والتمر وغيره ليس مدار الأمر، وإنما ذُكر لأنه الطعام المتداول آنذاك في الوقت الذي كان فيه النقد قليلا ولا يتم تداوله إلا في نطاق ضيق.

      أما بخصوص الفرق بين النقد والقيمة، فإن النقد ثمنية قائمة محددة القيمة تصلح أن تكون بدلا لكل شيء يباع. أما القيمة فهي سوية الشيء، وليست شيئا محسوسا بل مقدر. وقد يُباع المتاع بأعلى من قيمته أو بأقل أو بما يساويها.

  2. يقول قادر سفر:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اخي جمال نجم جزاك الله خيرا وانا أوافقك في كثير مما قلته عن زكاة الفطر .

    لكن فيما يخص إخراج القيمة عندي بعض الأسئلة وهي كالآتي :

    1-ما الفرق بين المسكين والفقير .

    2-لماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرته عن ابن عباس رضي الله عنه والذي من ضمنه عبارة (وطعمة للمساكين)ألا يدل هذا الكلام على أنه يجب أن تخرج زكاة الفطر طعاما فقط .

    3-اذا كانت القيمة تجوز لماذا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده لم يخرجوا القيمة ومجتمعهم كان أشد فقرا من مجتمعنا في الوقت الحاضر .

    • يقول جمال نجم:

      وعليكم السلام ورحمة الله

      شكرا لك أخي قادر على هذه الاستفسارات التي تضفي على الموضوع مزيدا من التوضيح

      1_ لا خلاف في اشتراك الفقير والمسكين في وصف عدمي هو عدم وفاء الكسب بالكلية، والمال لمؤنته، ومؤونة عياله.
      وإنما الخلاف في أيهما أسوأ حالا.
      ومنشأ هذا الخلاف اختلاف أهل اللغة في ذلك، فقيل: الفقير أسوأ حالا
      قيل: المسكين أسوأ حالا .
      وقيل الفقير: الذي لا يسأل الناس، والظاهر أنه كناية عن أن له مالا أو كسبا في الجملة، وهو يقنع به لكن ماله قاصر عن مؤونته.
      والمسكين: تبدو عليه المسألة بمعنى أنه لا مال له ولا كسب أصلا. ويغلب أن يكونوا من غير ذوي القدرة على الكسب كالمعاقين والمصابين والمرضى والزمنى وكبار السن الذين لا معيل لهم.

      2_ أما قوله عليه الصلاة والسلام في رواية ابن عباس (طعمة للمساكين) لا يفهم منه أن يكون المقدم طعاما بل يمكن أن يكون المقدم مالا يستعين به على الحصول على الطعام، إذ إن المقصود إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد كما ورد في حديث آخر، وهو متحقق بالمال كما هو متحقق بالطعام. وفي غير الشعائر التعبدية ينظر إلى المعاني والعلل أكثر من النظر إلى اللفظ والمبنى.

      3_ أما لماذا لم يكن النبي والصحابة يخرجون القيمة فلأن النقد لم يكن رائجا كرواجه هذه الأيام، فكان تقديم الطعام إلى الفقير أيسر وأنفع سواء للمتصدق أو للمتصدَّق عليه، ثم إن عدم وجود رواية إخراج النقد لا يعني أنه لم يُخرج قط إنما الرواية أخبرت بالغالب بين الناس فعله، وليس في الأمر ما يشير إلى عدم جواز إخراج النقد.
      أما الأمر في زماننا فمختلف إذ إن تقديم النقد أصبح أنفع للآخذ وللمعطي على حد سواء. ومع ذلك لا نقول بأن إخراج النقد أولى بل نقول بجوازه وأنه لا حرج في إخراجه.

      والله أعلم

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2٬779 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع