عدم الإيمان بأي من الاديان والإكتفاء بالإيمان في الله سبحانه

السؤال: الأيدولوجية الفكرية التي إتبعتها منذ سنة تقريباً وهي الربوبية , تقوم على أساس عدم الإيمان بأي من الاديان والإكتفاء بالإيمان في الله سبحانه , و الإستدلال على وجوده و على صفاته و ماهيته من خلال التفكر في الكون بأكمله , وهي تفتح لمعتنقها أفقاً رحباً للتفكير والتعمق في الإله قد تتشاطر هذه الصفة مع المذهب الصوفي وهي آلية روحانية جيدة للتعمق في مفهوم أعمق شيء وجودي .

دعنا نقف عند هذه النقطة , أرجو أن تعطيني رأيك الخاص وأن توضح لي بعض الأمور إن كنت أعاني من مغالطات أو عدم تناسق أفكار أو أي شيء آخر , خلاصة أرجو أن توجه نقدك لما أسلفته , سنكمل لاحقاً بإذن الله .

الجواب: إن مسألة الايمان وعدمه من المسائل القديمة الجديدة والتي اشتركت بها الامم كلها، وقد استمر الجدال طويلا بين من يؤمن ومن لا يؤمن، والمؤمنون بدورهم انقسموا حول شكل الايمان الذي يربطهم بخالقهم وقد انتشرت الفلسفات والعقائد وتنازع الصحيح منها والسقيم حتى كاد يختلط على الناس أمر دينهم.

ولعل سائل يقول ما هو السر الذي يدفع الناس إلى البحث في موضوع الايمان؟ ولماذا يأخذ حيزا كبيرا من تفكيرهم حتى في عصرنا هذا حيث التطور المدني والتقني الهائل الا أننا نجد الناس شرقا وغربا يبحثون في قضايا الايمان حتى العلمانيين والماديين منهم؟.

والجواب على مثل هذا التساؤل أن الله تعالى فطر الانسان على الايمان به، فلا يمكن للانسان أن يدعي انه لا يؤمن بإله. نعم قد يدعي انه لا يؤمن بالله تعالى لكنه يعبر عن إيمانه بطريقة خاطئة كالقول بأنه يؤمن بالطبيعة النافذة وهو نوع من الايمان بالقوى الخفية، ومن الناس من يؤمن بمظاهر الطبيعة على انها الاله كتلك المعتقدات التي كانت منتشرة قبل الاسلام وحتى بعده في غير مكان من عالمنا.

إن فطرة الانسان تقوده نحو العبودية لخالقه، وحتى لا يضل سعي الانسان في البحث عن إلهه الحق بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط ولا يضلوا مرة أخرى بعد وفاة رسولهم، وقد ختم الله رسالاته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبالرسالة الخالدة القرآن الكريم.

خالق البشر لا يفرق بين عربي وأعجمي فكلهم سواء، كما لا يفرق بين بيئة صحراوية وبيئة وارفة الخضرة والظلال، البشر عنده من آدم وآدم من تراب، أنزل رسالته الخاتمة لجميع الناس وحملت مبادئ العدل والرحمة والاحسان ونادت بالاخلاق كالصدق والامانة والوفاء بالعدل، وكل ما في الاسلام من تشريعات عامة وقواعد كلية لا يختلف عليها من يؤمن بها سواء كان من الشرق أو الغرب.

وعدم الايمان لا ينبع من اختلاف الامصار والاقطار، بل هو نتيجة عدم الرغبة في الالتزام بأوامر الله تعالى؛ لأن الايمان يقتضي التزام أوامر من تؤمن به، لذلك كان عصيان ابليس لامر الله عندما دعاه الى السجود لآدم، لم يكن عصيان ابليس ناتجا عن عدم ايمانه بالله، فهو من أكثر المخلوقات ايمانا به، وانما لأن السجود لآدم لم يتوافق مع هوى نفسه. وبعض الناس يقرأ هذا القصص ولا يدري ما العبرة منه. والحقيقة أنه عبرة لمن عرف الحق ثم حاد عنه لهوى في نفسه.

لو نظرت الى أوائل من آمن بالنبي محمد لوجدتهم مختلفي الاعراق كالرومي والفارسي والافريقي، ولو نظرت الى من كفروا بدعوته فلن تنسى أن عمه أبا لهب كان من أشد المعاندين له. ولو نظرت في هذا الزمان لوجدت الغالبية الساحقة من المسلمين هم من غير العرب، وهو مما يؤكد ضعف النظرية القائلة بأن الاسلام خاص بالبيئة الصحراوية تحديدا قلب الجزيزة العربية.

القرآن الكريم خاتم الرسالات ومصدقٌ لما قبله من الكتب الالهية. وهو كتاب الهداية الوحيد للخلق. قال تعالى {الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة،1_5)

ما يدفع البعض إلى البحث عن بدائل في موضوع الايمان ربما يكون ما شاب حياة المسلمين من دخل وتشويش نتيجة للأخطاء الفادحة التي وقع فيها المسلمون وأبرزها اعتمادهم على مصادر غير القرآن الكريم في فهم أمور دينهم. ولو التزم المسلمون بمنهج القرآن في فهم الكون والحياة والاحكام الناظمة لحياة البشر لما حصل هذا التشكيك في صلاحية الاسلام للحياة.

إذا كان ثمة مشكلة في فهم حقيقة الايمان فلا يعالج بمشكلة أكبر، والهروب نحو الامام لا يحل مشكلة، وإنما يكون بالنظر الصحيح للقرآن الكريم، ومن يفهمه كما أراد الله تعالى سيجد فيه ما يفتح العقل نحو آفاق أوسع تتعدى حدود المادة. ولو نظرت الى الايات التي تدعو الى الوحدانية لوجدتها تلفت النظر إلى الكون ومفرداته لتستنبط بنفسك وحدانية الله وتقر بعدها بأحقيته في التشريع والامر والنهي {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج، 46)

{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} (ق، 6_ 8)

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون، 91)

هناك الكثير من التصورات والاحكام المخالفة للقرآن الكريم جملة وتفصيلا اعتمدها المسلمون بالرجوع الى مصادر تخالف القرآن صراحة ونسبوا تلك الاحكام الى السنة النبوية، كالقول بقتل المرتد ورجم الزاني المحصن وتملك الجواري وغيرها من الاحكام والتي ربما سيكون لنا معها وفقة خاصة.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول:  أبو نضال خلف

    السلام عليكم ورحمة الله.
    أشكر لكم هذا البيان الطيب …
    ولكني كنت أتمنى لو أن المجيب بيّن للسائل الحكم في حالة الإيمان بالله واليوم الآخر ولم يؤمن بخاتم الأديان “الإسلام ” !!

    آمن بالله واليوم الآخر ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟؟!!
    أرجو البيان ولو في فتوى مستقلة عن الموضوع .
    جزاكم الله خيرا
    ونفع بكم ..

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.732 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع