إختلاف الأديان وتأثيره في الزواج
إختلاف الأديان وتأثيره في الزواج
أ.د  عبد العزيز بايندر
ترى المذاهب الفقيهة التقليدية أنه لا يجوز للرجل المسلم أن ينكح الكافرات؛ وإن فعل فيجب فسخه لأنه باطل. ويستدلون بقوله تعالى: «وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (البقرة، 2 / 221).
ويحتجون كذلك بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (الممتحنة، 60 / 10).
وقد قالوا بجواز نكاح الكتابية مستدلين بقوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ» (المائدة، 5 / 5).
نفهم من قول الله تعالى: «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (التوبة، 9 / 31)؛ أنّ الكتابية مشركة. وبناء عليه فإنّ إذن الله تعالى بنكاح الكتابية يعتبر إذنا لنكاح المشركة. وجاء في الآية السابقة الحكم المتعلق بالرجال  بقوله تعالى: «وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ» (البقرة، 2 / 221).
كون العبد المؤمن خير للمرأة المسلمة من الرجل المشرك الحر وكذلك كون الجارية المؤمنة خير للرجل المسلم من المشركة الحرة لا يدل على تحريم زواج المسلم من المشركة. لأن كلمة “خير” تعني فقط الأفضلية بين الشيئين. فلا يمكن استنباط حكم تحريم زواج المسلم من المشركة وزواج المسلمة من المشرك. وعلى هذا كان تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه…
كان أبو العاص بن الربيع متزوجا من زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان على دين الجاهلية، وقد أُسِر في موقعة بدر فأرسلت زينب رضي الله عنها العقد الذي أهدته لها أمها السيدة خديجة رضي الله عنها قبل موتها؛ مع شقيق أبي العاص بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم العقد حين تلقاه كفدية ليطلق سراحه، فحزن وأعاد العقد إلى زينب وأطلق سراح أبي العاص وطلب منه أن يرسل زينب إليه ، ونفذ وعده فأرسل زوجته الحبيبة إلى المدينة المنورة.
وفي السنة السادسة من الهجرة كان أبو العاص قد خرج بقافلة من مكة إلى الشام، وأثناء سيره يلتقي مجموعة من الصحابة. فسأل على بيت زينب وطرق بابها قبيل آذان الفجر، فسألته حين رأته: أجئت مسلماً؟ قال: بل جئت هارباً.فقالت: فهل لك إلى أنْ تُسلم؟ فقال: لا.قالت: فلا تخف. مرحباً بابن الخالة. وبعد أن أمّ النبي المسلمين في صلاة الفجر، إذا بصوت يأتي من آخر المسجد:قد أجرت أبا العاص بن الربيع.فقال النبي: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قالت زينب: يا رسول الله إنّ أبا العاص إن بعُد فابن الخالة وإنْ قرب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله.فوقف النبي صلى الله عليه وسلم.وقال: يا أيها الناس إنّ هذا الرجل ما ذممته صهراً.وإنّ هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفّى لي.فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله وأن تتركوه يعود إلى بلده، فهذا أحب إلي. وإنُ أبيتم فالأمر إليكم والحق لكم ولا ألومكم عليه.فقال الناس: بل نعطه ماله يا رسول الله.
وأخذ أبو العاص ماله وعاد إلى مكة. وعند وصوله إلى مكة وقف وقال: أيها الناس هذه أموالكم، هل بقى لكم شيء؟ فقالوا: جزاك الله خيراً وفيت أحسن الوفاء.قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وذهب إلى المدينة مهاجرا. وقال أبو العاص بن الربيع: يا رسول الله هل تأذن لي أنْ أراجع زينب؟ فأخذه النبي وقال: تعال معي.ووقف على بيت زينب وطرق الباب وقال:يا زينب إنّ ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أنْ يراجعك فهل تقبلين؟ فأحمرّ وجهها وابتسمت. وبعد مضي ست سنوات، رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا.[1] لأن نكاحهما لم ينفسخ بكون أبي العاص كافرا.
 وعن ابن شهاب، أنه بلغه: أن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمن بأرضهن، وهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب صفوان بن أمية زوجها من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير، برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرا، وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناداه على رءوس الناس، فقال: يا محمد، هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته، وإلا سيرتني شهرين، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل أبا وهب، فقال: والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لك تسير أربعة أشهر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هوازن بحنين، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداة، وسلاحا عنده، فقال صفوان: أطوعا أم كرها؟ فقال: بل طوعا، فأعاره الأداة، والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر، فشهد حنينا والطائف، وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أهله، حتى أسلم صفوان، واستقرت امرأته عنده بذلك النكاح.[2]
الحدث الأول كان بعد معاهدة الحديبية والثاني كان بعد فتح مكة.
وقد استدل الفقهاء بقوله تعالى: «لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» (الممتحنة، 60 / 10) على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم. وفي الحقيقة أن الآية العاشرة من سورة الممتحنة،  التي نزلت بعد الحدثين المذكورين هي في حق إمرأة اختارت أن تترك زوجها بسبب اختلاف الدين. (وسيأتي التفصيل على هذا الموضوع). كما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالتفريق بين الزوجين بسبب اختلاف دين أحدهما. لو صح ما جاء في الكتب الفقهية من تحريم زواج المسلمة من غير المسلم لورد إلينا نموذجٌ من تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بين الله تعالى المحرمات في سورة النساء من الآية 22 إلى الآية 24 ولم يرد فيها اختلاف الدين. وفي الآية 25 أجاز الله تعالى نكاح الأمة المؤمنة العفيفة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ويخاف الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج، وبين في آخر الآية أن الصبر وعدم الزواج منها خير له. وعلى هذا أن الاختيار الأول للزواج يكون من الحرائر العفيفات والثاني من الجواري المؤمنات العفيفات والثالث من الحرائر العفيفات من الكتابيات لأن الله تعالى أذن بنكاحهن في الآية الخامسة من سورة المائدة. فالأمة المؤمنة العفيفة خير من الكتابية العفيفة وعدم خيرية نكاح الأمة المؤمنة العفيفة يدل على عدم خيرية نكاح الكتابيات العفيفات بدرجة أولى، ولكن الزواج منهن ليس بحرام. فالآية تتحدث عن نكاح المشركات بدون الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون.
وقوله تعالى: « وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (البقرة، 2 / 221).
الشرط الوحيد الذي لا غنى عنه في الزواح هو العفة، لذا قال الله تعالى: «الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (النور، 24 / 3).
كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إلي عرفت، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة. قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل الأسرى المسلمين، قال: فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فظل بولهم على رأسي وعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أكبله فجعلت أحمله ويعييني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت «الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ»(النور، 24 / 3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها.”
وسبب منع النبي صلى الله عليه وسلم مرثد أن ينكحها هو ليس كونها مشركة بل كونها زانية. ولكن مع وضوح الأمر يقول الفقهاء بتحريم نكاح المشركة.  وقال البعض أن هذه الآية منسوخة.  قال ابن حزم يزعمون أنها نسخت بالآية التي بعدها ««وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (النور، 24 / 32). وهذه دعوى بلا برهان، ولا يجوز أن يقال في قرآن، أو سنة: هذا منسوخ إلا بيقين يقطع به، لا بظن لا يصح وإنما الفرض استعمال النصوص كلها.[3]
كلام ابن حزم هذا صحيح. ولكنه يقول في نفس الوقت أن الزاني يجوز له نكاح الكتابيات العفيفات مع أن الآية تصرح أنه لا ينكح إلا زانية أو مشركة. ولا نعرف على أي أساس قام ابن حزم بتخصيص الآية بالكتابيات مع أنه لا يجيز نكاح الزانية المسلمة من الكتابي.

 


[1] سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، رقم الحديث: 2240.
[2] موطأ مالك، كتاب النكاح، باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله ثم أسلم، رقم الحديث: 1547.
[3] المحلى لابن حزم، 9 / 63-65.
Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 5٬134 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع