من هو المؤمن؟

من هو المؤمن؟
تحدث الشيخ في الأسبوع الماضي عمن هو الكافر، حيث قال في معرض حديثه أن الإيمان موجود حقيقة في قلب الكافر، وقد أثار هذا الرأي اهتمام الحاضرين، وكان أحد كبار السن سأل الشيخ عن حقيقة ما يقول، ووعده بالإجابة الكاملة في الأسبوع التالي، وهو ما حصل فعلا وإليك نص الحوار:
الحاج: قد تغير بهذا الحوار كل ما أعرفه. قلتَ سابقا أن “الكافر هو من ستر ما في قلبه من الإيمان، وأن كل إنسان يؤمن بوجود الله ووحدانيته” مستدلا بالآيات؛ وكذلك الملحد يعرف الله ويؤمن بوحدانيته. وقد بدأت أشك في نفسي، حين قلتَ ما الكافر إلا من في قلبه إيمان حقيقي، ولكنه يستره، وعندها يطلق عليه كافر.
الشيخ: إذن نقرأ آية أخرى لنرى كيف يُستر ما في القلب من الإيمان؛ قال الله تعالى: « فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ؛ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» (النمل، 27 / 13-14).
توضيح بعض المصطلحات الواردة في الآية:
الآية: هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لا بد له من صانع. ويقصد بها هنا المعجزات الدالة على نبوة موسى عليه السلام. وقوله تعالى: « وَجَحَدُوا بِهَا» في الآية السابقة هو إظهار خلاف ما في القلب؛ أي الإنكار مع العلم اليقين.
« وَاسْتَيْقَنَ» من اليقين وهو صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها؛ وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم. وقوله تعالى: «وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ» يدل على أنهم أنكروا برسالة موسى عليه السلام بعد أن علموا يقينا أنه رسول الله. وقد بين الله سبب إنكارهم على هذا الشكل، فقال: « ظُلْمًا وَعُلُوًّا».
كلمة “الظلم” تعني عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إما بنقصان أو بزيادة؛ وإما بعدول عن وقته أو مكانه. وموسى كان رسول الله؛ واستحال على قوم فرعون أن يؤمنوا برسالة موسى وفي الوقت نفسه يستمرون في علوهم، لذا أنكروا رسالته وهم يعلمون أنه رسول الله.
الحاج: وهل موقف الشيطان كان هكذا؟
الشيخ: نعم، وكذلك فعل إبليس اللعين حيث أبى استكبر وكان من الكافرين. كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك فقال: « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؛ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ؛ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» ويخبرنا الله تعالى ما حدث بعد ذلك: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (البقرة، 2 / 31-34).
الحاج: كان الملائكة يرون هذه المخلوقات. وهل كان للأسماء أهمية؟
الشيخ: قد علّم الله تعالى آدم ما أخفاه في المخلوقات؛ والضمير في “الأسماء كلها” لغير العقلاء؛ والضمير في “عرضهم” للعقلاء؛ وقد يطلق العقل على العلم الذي يستفيد الإنسان منه. وعلى هذا فيكون المعنى أن الله تعالى قد أخبر الملائكة أنه علم آدم عليه السلام هذا العلم ؛ وهو معرفة حقيقة الأشياء التي لا تعرف بمجرد الرؤية إياها. لذا قال الله تعالى: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (البقرة، 2 / 33). وهو علم فضل الله تعالى به الإنسان على الملائكة. ومن أجل ذلك فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينتج العلم ويطور ويبني الحضارات.
الحاج: وهل كان سبب موقف الشيطان حسدا لآدم على هذا العلم؟
الشيخ: نعم، لذا أدعى منذ البداية أنه يعلم الغيب؛ فووسوس لآدم وزوجته حواء كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك بقوله: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ؛ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ» (الأعراف، 7 / 20-21).
ممن كان يتخفى الشيطان حين وسوس لآدم؟، هل كان يتخفى من الله تعالى؟ ألم يكن الشيطان يؤمن بالله تعالى ووحدانيته؟ فكفره كان بسبب جحوده وتنكره لأمر الله تعالى. حيث أن الله وآدم وزوجته حواء والشيطان اللعين في ذاك الوقت؟
ورد في الآية قوله تعالى: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ»، فكلمة “وسوس” تعني الكلام الخفي. وأراد الشيطان أن يقول لآدم، أن الله فضلك علي بتعليمه إياك علما لا أعرفه أنا، وأنا أيضا أعلم ما لا يعرفه الله، اسمع كلامي وما أريد إلا صلاحكما، وأكد كلامه بالقسم ولوح أنه أرحم وأكرم لهما من الله تعالى. والدافع لفعل الشيطان هو كبره مع علمه أنه كلام غير صحيح. وهذا دأب كل من يتبع الشيطان.
الحاج: وهل كفر آدم وزوجته حواء بأكلهما من الشجرة المحظورة؟
الشيخ: لا، لم يصبحا كافرين؛ بل أصبحا عاصيين. قال الله تعالى: «فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» (طه، 20 / 121).وقد كفر إبليس لأنه لم يقبل أن مخالفة أمر الله إثم؛ وأصر في مخالفة أمر الله تعالى. قال الله تعالى: «فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ؛ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (الأعراف، 7 / 22-23). أي أن آدم اعترف بذنبه وتاب. وإذا دل هذا على شيء فإنما يدل على أنه ارتكب اثنين نفس الإثم فمن تاب منهما معترفا بذنبه بقي على الإيمان؛ أما الذي لم يعترف بذنبه ولم يتب أصبح كافرا.
الحاج: وعلى هذا فإن المؤمن هو من قال سمعا وطاعة في كل ما أمره الله تعالى. أما من يريد تطويع أوامر الله لأهوائه فهو شيطان مثل إبليس.
الشيخ: الإيمان يعني الثقة. الإنسان يسلم وجهه إلى من يثق به. لذا لا إيمان لمن لا يثق بالله ولا يسلم له. قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا؛ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (النساء، 4 / 136-137).
الحاج: الآن فهمت. وقد وقع كثير ممن يسمون أنفسهم مؤمنين بالخطأ حيث لم يثقوا بالله ولم يتمسكوا في حل مشاكلهم بما أنزل الله تعالى…

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.963 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع