3. مسألة “ألست بربكم”

مسألة “ألست بربكم”

قال الله تعالى عن الكافرين: «الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (البقرة، 2/27).

كل إنسان يعرف الله ويؤمن بوجوده ووحدانيته، كالمعرفة الحاصلة عند مشاهدة الأشياء، وبهذه المعرفة يؤتي الإنسان موثقاً لله تعالى. يقول الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الأعراف، 7/172-174).

وهذا ما يعرف عند الناس؛ بـ«الميثاق» أو «ألست بربكم» أو “قالوا بلى”. وقد بين الله تعالى أن أخذ هذا الميثاق قد تم حين أَخَذَ اللهُ تعالى من صلب بني آدم ذريتهم.

وأخْذُ الذرية من الصلب، هو أخذ بذرة يدوم بها النسل والبشرية. ويصل بها الإنسان إلى سن البلوغ، وهو السن الذي يمكن للإنسان أن يصبح أباً. والإنسان منذ طفولته يبحث عن الله تعالى. ويوجه لمن حوله أسئلة كثيرة، فيشاهد الأدلة والبراهين، حتى يتبين له وجود الله ووحدانيته.  كأن الله سبحانه تعالى يسأله «ألست بربكم» فيجيب الإنسان بكل ثبات وقرار «بلى أنت ربي وأنا أشهد على ذلك». وهذا الموقف يتكرر في كل لحظة من لحظات الحياة. فكلما يرى الإنسان آيات الله في الآفاق والأنفس يزداد إيمانا وتصديقا بالله. وعلى ذلك يمكننا القول بأن كل إنسان يؤمن بوجود الله ووحدانيته وبأنه خالق كل شيء.

والمشرك هو من أشرك بالله تعالى. ويكون الشرك بين اثنين على الأقل، أحدهما يكون دائما هو الله الإله الحق، والثاني يختلف أي: ما يتخذ إلها من دون الله. والذي يعرف وجود الله ووحدانيته، لا يبقى له مبرر في أن يقول يوم القيامة: «… إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (الأعراف، 7/173).

وسن البلوغ له أهمية خاصة، لأن المسؤولية تبدأ بهذا السن. والإنسان في هذا السن يشهد قطعيا بوجود الله ووحدانيته وبأنه ربه ورب كل شيء، ولو خالف  ذلك ما وجد عليه آباءه ومن حوله. ولكن البعض يعترف بذلك، والبعض الآخر لا يعترف إلا عند حدوث واقعة مدهشة فحينئذ يتضرع إلى الله وحده. ومن الناس من يظن أن هذا الإعتقاد أي معرفة وجود الله تعالى يُعد كافيا، ولكنه إغراء من الشيطان. قال الله تعالى في كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (لقمان، 31/33).

والملاحدة هم الذين يقال عنهم بأنهم لا يعترفون بإله خالق. وهم يكذبون في ذلك وفي حقيقة الأمر هم يعرفون وجود إله خالق، إلا أنهم يخالفون فطرتهم التي فطرهم الله عليها،وقصدهم من هذا الإنكار أن لا يتدخل ذلك الإله الخالق في شؤون حياتهم. وهم بهذا يؤَلّهون أنفسهم ويحاولون أن يصبحوا ربا لأنفسهم. أما المشركون فإنهم يتخذون مع الله آلهةً أخرى، ويجعلونها ندا لله، وينقضون العهد من بعد ميثاقه، والكل يعرف بأنه لا ند لله ولا شريك له.

فالمشركون هم «الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ» لأن من جعل مع الله إلها آخر فقد قطع الصلة بينه وبين الله.

وقد فسر كثير من المفسرين قوله تعالى: «وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ » بأنه قطع صلة الرحم؛ فجعلوا بذلك صلة الرحم من الإيمان. وهذا القول لا يمكن قبوله بالرغم أنه قول معظم المفسرين؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية ثلاثة عناصر وجعلها كفراً في الآية التالية «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» وقطع صلة الرحم ليس كفرا.

وما استدلوا به من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ».[1] لا يدل كون صلة الرحم من الإيمان بل هي من لوازمه كإكرام الضيف، وقول الخير أو الصمت. ومن الغريب أنهم جعلوا صلة الرحم من الإيمان بدليل هذا الحديث ولا يجعلون إكرام الضيف الذي ذكر قبله، وكذا قول الخير أو الصمت الذي ذكر بعد صلة الرحم. ولماذا هذا التفريق؟ وإذا قلنا إن تلك الخصائص الثلاثة من لوازم الإيمان وليس من الإيمان لم يبق هناك أي إشكال.[2]



[1] البخاري.

[2] قال القرطبي: “وقيل: الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. هذا قول الجمهور، والرحم جزء من هذا”. (تفسير القرطبي، 1/246). وقال البغوي: « وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ » يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقال المؤمنون “لا نفرق بين أحد من رسله”( البقرة، 2/285 ) وقيل: أراد به الأرحام. (تفسير البغوي، 1/77).

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2٬790 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع