- حبل الله - http://www.hablullah.com -

22. صوم الحائض وصلاتها

صوم الحائض وصلاتها

قال الله تعالى: « وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» (القرة، 2/222).

فقوله تعالى:«وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» يدل على أن الحائض ليست طاهرة، والآية التي تشترط الوضوء أو الغسل لصحة الصلاة هي قوله تعالى: « مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم»  (المائدة، 5/6). ولا يمكن للحائض أن تصلي لأنها ليست طاهرة. ولا تأثم بترك صلاتها في أيام حيضها. لأن الله تعالى قال: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» (البقرة، 2/286).

عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت « إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّمَ فَقَالَ لَهَا امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».[1] [1]

الحائض لا تصلي في أيام حيضها ولا تعيدها بعد. لأنها ليست واجبة عليها. عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.؟ فقالت:أحرورية[2] [2] أنت؟ قلت:لست بحرورية ولكنني أسأل. قالت:كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.[3] [3]

وكلمة «قضى» هي التي أوقعت الناس في الخطأ. وهي حين تستعمل في القرآن الكريم في موضوع العبادة يكون معناها الأداء أي أداء العبادة في أوقاتها المحددة. «فإذا قضيتم مناسككم» (البقرة، 2/200) «فإذا قضيتم الصلاة» (النساء، 4/103) أي إذا أديتم.[4] [4] قال الفيومي (المتوفي، 77/1368-69): اطلق العلماء كلمة «قضى» على العبادات التي تؤدى بعد خروج وقتها، أما كلمة «أدى» فأطلقوها على امتثال العبادات في أوقاتها المحددة.[5] [5] وهذا الإستعمال خلاف المعنى الأصلي للكلمة،وقد اصطلحها العلماء للتفريق بين الوقتين.[6] [6]وكلمة «قضى» في حديث عائشة رضي الله عنها بمعنى الأداء. لأن المعنى الإصطلاحي لم يكن معروفاً حينذاك.

قال ابن تيمية عن كلمة «قضى»: القضى في كلام الله وكلام رسوله يدل على أداء العبادات في أوقاتها المحددة وعلى شكلها المطلوب. كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: « فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله»[7] [7]     وقوله تعالى: « فإذا قضيتم مناسككم »[8] [8]

واستعمل الفقهاء فيما بعد كلمة «قضى» للعبادات التي تؤدى بعد فوات وقتها. وكلمة «أدّى» للعبادات التي تؤدى في أوقاتها المحددة، فأصبحتا إصطلاحين معروفين في الفقه. ولم يكن في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح. إن كلمة «قضى» قد تأتي بمعنى الأداء. ولا تستعمل بالمعنى الذي استعملها القرآن الكريم به إلا نادرا. وبالتالي أصبح قول النبي صلى الله عليه وسلم « فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا. وفى لفظ فأتموا » غير مفهوم. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بكلامه، أن تؤدى تلك العبادة خارج وقتها. كما أننا لا نجد في كلام الشارع ما يدل على أداء العبادات خارج أوقاتها. ولكن الوقت وقتان، الوقت العام والوقت الخاص. فالوقت للنائم والناسي عند الإستيقاظ أو التذكر، وهو الوقت الذي حدده الله تعالى لهم وهو الوقت الخاص. أما الوقت في غيرهما فهو الوقت العام والمحدد لا غيره.[9] [9]

وقول عائشة رضي الله  «كنا نؤمر بقضاء الصوم» يدل على أن دم الحيض ليس مانعا للصوم. كما أن الآية 186 تبين ما يفسد الصوم؛ وهي الأكل والشرب والجماع. وتنتهي الآية بقوله تعالى: « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا». والقول بأن دم الحيض يفسد الصوم يعتبر تعديا للحدود التي منعنا الله تعالى من اقترابها خوفا من الوقوع فيها.

الصيام هو الصوم. والصوم هو الإمساك أي بمعنى إمساك النفس ومنعها. والصائم يمنع نفسه من الأكل والشرب والجماع.[10] [10] ودم الحيض لا يمكن منعه. فلذا لا يجوز عده مما يفسد الصوم.

وقد عُدَّ الحيضُ في الآية السابقة أذى. والأذى هو ما يضايق الإنسان. والمرض كذلك يعتبر أذى. والنساء يسمين حالة الحيض مرضا.[11] [11] والله تعالى يقول: « وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة، 2/184).

والحائض لو شاءت صامت ولو شاءت أفطرت وعليها عدة من أيام أخر كما يفعل المريض. ولو كان الحيض مانعا للصوم لما وجب عليها قضاء ما فات من أيام أخر. كالصلوات التي لا تقضيها بعد انتهاء أيام الحيض.

والفقهاء يحرمون على الحائض الصوم، ويقولون إن الحائض إذا صامت أثمت، ويأمرونها بالقضاء. كيف يقولون بوجوب قضاء عبادة قد حُرِّمَ أداؤُها؟!. وما هو الدليل على ذلك؟. وقد بين الله تعالى أحكام الصوم مفصلا بخلاف غيره من العبادات. وقال: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (البقرة، 2/187).

وقد فصل الله تعالى في القرآن الكريم حدود الصوم، ولم يكن هناك أي شيء يمنع الصوم. ولم يأت من النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنع الصوم؛ غير الأكل والشرب والجماع. إذا كان الأمر كذلك فمنع الحائض من الصوم هو الإقتراب والتعدي على الحدود التي حددها الله تعالى. ولا مبرر لأي شخص ليتعدى حدود الله.



[1] [12] مسلم، الحيض 65.

[2] [13] الحرورية نسبة إلى حروراء وهو المكان الذي آوى إليه من ترك جماعة علي رضي الله عنه بعد معركة صفين. أثيم روحي فيغلالي، الموسوعية الإسلامية لوزارة الدينية التركية. 16/169-175.

[3] [14]  مسلم، الحيض 67.

[4] [15] كتاب العين؛ تاج العروس؛ لسان العرب؛ المصباح المنير، مادة: قضى.

[5] [16] الموسوعية الإسلامية لوزارة الدينية التركية. مادة: فيوم.

[6] [17] أحمد محمد الفيومي، المصباح المنير، لبنان 2001، ص. 519.

[7] [18] الجمعة، 62/10.

[8] [19] البقرة، 2/200.

[9] [20] مجموعة الفتاوى لابن تيمية. 11/106 الطبعة الأولى، سنة 1382 الهجري.

[10] [21] مفردات ألفاظ القرآن مادة: صوم..

[11] [22]  ربما يختص تسمية الحيض مرضا بالنساء غير العربيات، مثل التركيات.