- حبل الله - http://www.hablullah.com -

25. الإفتداء (حق الزوجة في إنهاء الحياة الزوجية)

الإفتداء (حق الزوجة في إنهاء الحياة الزوجية)

قال الله تعالى: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (البقرة، 2/229).

إنّ الحكمة من تشريع الإفتداء هو خوف المرأة من أن لا تقيم حدود الله لو بقيت تحت نكاح زوجها. وفي هذه الحالة تخبر ولي أمرها، فإن رأى الولي صواب رأيها أذن لها في الإفتداء. وإذا قررت الفراق أعادت إلى زوجها قدر ما اتفقا عليه من بعض مهرها ولا يزيد على ما أخذته منه من صَداق. لقوله تعالى في الآية السابقة: «مما آتيتموهن». ويجوز أن يقرر المقدار ولي الأمر. وفي حالة عدم تقصير الزوج في حقها لابد مِن أن تعيد إليه كلَّ ما أخذته منه.

ويراد بولي الأمر المحكمة، أو الحكم المعين من قبل المَحكمة، فإن لم تكن هناك محكمة فالحَكم يقوم مقامها. وفيما يلي نرى مثالا على ما قلناه؛ حيث أن إمرأة رفعت الشكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن حبيبة بنت سهل الأنصاريِّ أنها كانت تحت ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شَمّاسٍ وأنَّ رسولَ الله خرجَ إلى الصُبح فوجدَ حبيبةَ بنتَ سهلٍ عند بابه في الغَلَسِ، فقال لها رسول الله: «من هذه»؟ فقالت: أنا حبيبةُ بنتُ سهلٍ يا رسولَ الله! قال: «ما شأنك»؟ قالت: “لا أريد أن أكون مع ثابتِ بنِ قيس”. فلما جاء زوجُها ثابتُ بنُ قَيسٍ قال له رسولُ الله: «هذه حبيبةُ بنتُ سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر». فقالت حَبيبةُ: يا رسولَ الله! كلُّ ما أعطاني عندي. فقال رسولُ الله لثابتِ بنِ قيس: «خذ منها»، فأَخَذَ منها، وجَلَسَتْ في بيت أهلها.[1] [1]

وإليكم رواياتٍ مختلفةً في موضوعنا هذا:

عن ابن عباس أن امرأةَ ثابت بن قيس أتَت النبيَّ فقالت: يا رسول الله! ثابتُ بنُ قيس؛ ما أَعتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكنِّي أَكرَه الكفرَ في الإسلام. لا أُطِيقُه.[2] [2] لا أطيقه بُغضًا.[3] [3] لَولاَ مخافةُ الله إذا دَخَلَ عليَّ لَبَصَقتُ في وجهه.[4] [4]

وذكرتْ حبيبةُ بنتُ سهل أنها كانت جارةً لرسول الله، وأنَّ ثابتا ضربها.[5] [5] وكان في خُلُق ثابتٍ شِدّةٌ.[6] [6] إنها كانت تُبغِضُه أَشَدَّ البغضِ، وكان يحبها أشد الحُبِّ.[7] [7] وقال لها رسول الله: «أما الزيادةُ فلا، ولكنْ حَديقتَه».[8] [8]

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءت إليه امرأةٌ تَشتكي زوجَها، فحُبست في بيتٍ فيه زِبْلٌ فباتتْ فيه، فلمّا أصبحت بَعَث إليها فقال: «كيف بتِّ الليلةَ»؟ فقالت: «ما بِتُّ ليلةً كُنتُ فيها أقَرَّ عينًا مِن الليلة». فسَأَلها عن زوجها فأَثنَتْ عليه خيرًا، وقالت: «إنه وإنه، ولكن لا أَملكُ غيرَ هذا». فأَذِنَ لها عمرُ في الفِداء.[9] [9]

إن عمر أراد أن يعلم إذا كانت المرأةُ ستعيش مع زوجها أم أنها ستَرفضُه. ولم يسألها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا عمر عن سبب بغضها لزوجها.

وقد بدا موضوع الإفتداء من خلال هذه الآية أكثر وضوحا؛ قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » (الممتحنة، 60/10).

وجاء في أحد بنود صُلح الحُدَيبِيَة الذي عَقَدَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مع مشركِي مكة:

“وعلى أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن «إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن إلى قوله ولا هم يحلون لهن»  قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن إلى غفور رحيم».[10] [10]

وقال صفي الرحمن المبارك فوري: “وحين سأل أولياءُ المؤمناتِ المهاجراتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يَرُد عليهم نساءَهم رَفَضَ طَلبَهم هذا، بدليلِ أنّ الكلمة التي كُتِبت في المُعاهَدة بصَدَد هذا البَند لا يدخل فيها النساءُ ببند صريح”.[11] [11]

والآية تتحدث عن النساء المتزوِّجات اللاتي يَلجأْن إلى المسلمين فارّاتٍ بدينهن. وهذا يدل على أنهن قرَّرنَ الفراق من أزواجهن. وقد كان في مكة نساء مسلمات تحت نكاح الكفار ولم يفترقن من أزواجهن.

قال الله تعالى في شأن الحُديبيَة:

«وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» (الفتح، 48/25).

ونود دراسة الآية العاشرة من سورة الممتحنة على التفصيل:

« يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ».

هجرةُ المرأة؛ هي ترك زوجها وأهلها وبلدها. والآيةُ تأمر بامتحانها لمعرفة سبب هجرتِها: هل كان لدينها أو لشيءٍ آخَر؟ فإذا عرف أن هجرتها كانت لدينها فقد وجب على المسلمين مصارفها المادِّية، لأن تحقيق الفراق من زوجها على هذا الشكل يعتبر إفتداءً. ولا تحل لذاك الزوج. وهذا يتطلب إعادة ما أخذت منه من المهر.

«وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا»

يُشبه هذا ما فعلته حبيبة بنت سهل مع ثابتِ بنِ قيس من افتداءٍ. فإذا لم يكن للمهاجرات مالٌ فقد أُمِر المسلمون بالإنفاق عليهن. ويحل لهن أن ينكحن من شئن؛ كما يبينه الجزء الثالث من الآية.

«وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»

تبيّن هذه الآية أنَّ ما أعطاه المسلمون فدية لأزواجهن كان لهن هبةً، ويجب على من أراد الزواج منهن أن يعطيهنّ صدقاتهن.

وفي هذا الجزء أمرٌ آخر، وهو أنه لم يرد تكليف المرأة المفتدية بإحصاء العدةِ، كما لم يرد في الآية 229 من سورة البقرة، وكذلك في حديثِ حبيبةَ. وما عليها إلا الإستبراء؛ و هو التأكدُ من خُلُوِّ رَحِمِ المرأةِ المُطَلَّقةِ مِن جَنين، وهذا يُمكن إثباتُه بحَيضة وطُهر. بخلاف عدة المرأة المطلقة فيلزم عليها العدة  لإحتمال إعادة الأسرة من جديد.

وتشمل هذه الآيةُ على القوانين الدولية المتعلقة بالأحوال الشخصية، كما بينت الآية أن الحقوق التي أعطيت للمسلمات أعطيت للمشركات اللاتي تزوجن من المسلمين. وسنرى هذا في الأجزاء الأخرى من الآية.

«وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»

والعِصَم جمعُ عِصْمة، وتأتي العصمةُ بمعنى المنع والوقاية.[12] [12] والمرأةُ تكون تحتَ حماية زوجها، لذا قد يَمنعها من فعل بعض الأشياء. والمسألةُ هنا عن النساء الكافرات اللاتي فارقن أزواجهن وذهبن إلى مكة. فأمر الله تعالى بقوله: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» أي: لا تمنعوا أولئِكُمُ النساءَ مِن تَرك أوطانهن. وحين أَنزلَ اللهُ هذه الآيةَ طلَق عمرُ امرأتين كانتا له في الشرك، فذهبتا إلى مكة، فتَزَوَّج إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ والأخرى صَفوانُ بنُ أمية.[13] [13] وأَسلمَ أبو سفيان أثناء الفتح، وصفوانُ بن أمية بعد غزوةِ حُنَيْنٍ.[14] [14] ورفضُ المرأة المشركة البقاء تحت نكاح زوجها المسلم هو طلب الفراق منه مقابل الفداء.

و قال الله تعالى: « وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ »: فإذا أعادت هؤلاء النساءُ إلى أزواجهن الصَدُقات والهدايا التي أَخذنَها  منهم فقد بِنَّ كما بانت حبيبة.

« وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا »: ويستطيع الأزواج المشركون أن يُطالبوا بما أنفقوا على زوجاتهم المسلمات إذا وقع التفريق؛ كما كان حقَ المطالبة للمسلمين بما أنفقوا على أزواجهم المشركات.

وإذا هربت المشركات اللاتي كن تحت نكاح المسلمين إلى ذَوِي دينهن، ولم يستطع أزواجهن أخذ ما أنفقوا عليهن، فعليهم أن يفعلوا ما بين الله تعالى في هذه الآية: «وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» (الممتحنة، 60/11).

وخلاصة القول؛ إن القرآن الكريم جعل للمرأة حقا في إنهاء الحياة الزوجية إذا شاءت وبَيَّنَه رسولُ الله بأقواله وتطبيقاته.



[1] [15] الموطأ، كتاب الطلاق، 11 (31).

[2] [16] البخاري، الطلاق، 12 (5273-52-75).

[3] [17] ابن ماجة، الطلاق 22 (2056).

[4] [18] ابن ماجة، الطلاق 22 (2057).

[5] [19] الدارمي، الطلاق، 7.

[6] [20] ابن سعد الطبقات الكبرى، 8/445. دار الصدر، بيروت.

[7] [21] القرطبي، (671 هـ /1273مـ الجامع لأحكام القرآن الكريم تحقيق أحمد عبد العيم البردوني 3/139، دار الشعب، القاهرة 1372.

[8] [22] نيل الأوطار للشوكاني 6/277. دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[9] [23]  المدونة الكبرى لمالك بن أنس، 2/341، دار الصدر، بيروت.

[10] [24] البخاري، الشروط 15.

[11] [25]  صفي الرحمن المبارك فوري، الرحيق المختوم 314. بيروت، 1408/1988.

[12] [26]  بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي (817هـ /1414مـ) 4/72، المكتبة العلمية، بيروت.

[13] [27]  البخاري، الشروط 15. الذي جاء أن عمر طلق إمرأته. ولكن  الذي أثبتناه أنه أطلقهن، ذلك أن الرواة يروون بالمعنى لا باللفظ، فيكونون لعلهم استعملوا الطلاق بدل الإطلاق. والبخاري بدأ الحديث سنة 205، وتوفي سنة 256، أي أن بينه وبين الحادثة أكثر من 200 عام. واستعملت المخالعة بعد عصر الصحابة، ونُسي الإفتداء. فكان من الممكن أن يُطْلِقَ  الرواة لفظ الطلاق على كل فراق وقع بين الزوجين.

[14] [28]  الموطأ، النكاح 20.