27. شهادة المرأة

شهادة المرأة

قال الله تعالى:« وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى » (البقرة، 2/282).

يُفهم من الآية أنّ هناك فرقا بين شهادة المرأة والرجل، كما ذهب إلى ذلك  الفقهاء القدماء، ولكن حين نأخذ الآية مع لاحقتها نجد أنه لا فرق بين شهادة المرأة وشهادة الرجل. ونقرأ دوام الآية «وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ».

وقوله تعالى «ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ» يمكن أن يكون المعنى ذلكم أقسط وأقوم في تثبيت الدَّيْن بالكتابة. ومن الممكن أن يكون أنه أقسط وأقوم في عدد الشاهدين. فالأقوم اسم تفضيل من القويم. ويقال هذا أقوم من هذا عند مقارنة الشيئين القويمين. إذًا شهادة الرجل أقوم من شهادة المرأة. فإتيان الشهادة خلافا لهذا الشرط يكون قويما وليس أقوم.

والآية الواردة في شهادة الوصية يجعل الموضوع أكثر وضوحا. ويتبين لنا أن الحكم السابق متعلق باثبات الدَّين بالكتابة وعدد الشاهدَين. قال الله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (المائدة، 5/106-107).

وفي هذه الآية يأمر الله تعالى أن يكون الشاهدان مؤمنين عدلين بدون أية تفرقة بين المرأة والرجل. وفي أثناء السفر يكفي أن يشهد اثنان من غير المسلمين. ويمكن أن يكون كلا الشاهدين إمرأتين أو رجلين، كما يمكن أن يكونا من غير المسلمين، وكذلك يجوز أن يكون أحدهما رجلا والآخر إمرأة، حسب الظروف الخاصة بالسفر.

فإن ظهر خيانة الشاهدين الموصيين، يأتِ الشاهدان الآخران فيشهدان وتبطل شهادة الأوليين. و من الممكن أن يكون الوارث امرأة. والدليل على ذلك قوله تعالى: « ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا» (المائدة، 5/108). لو أخذنا هذه الآية مع الآية 282 من سورة البقرة؛ يتبين لنا أن كون الرجلين أو إمرأتين ورجل واحد ليس شرطا من شروط الشهادة.

واستدل من اشترط كون الشاهدين رجلين أو رجل وامرأتين في الشهادة ما رواه مسلم والبخاري: عن أَبي سعيد الخدري قَال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (البخاري ومسلم).

وكلمة «العقل» في العربية: تأتي بمعنى العلم.[1] ونقصان العقل هو نقصان المعرفة المتعلقة بشيء ما.  ولا يصلح للمرء أن يشهد فيما لا علم له فيه. لعدم استيعابه كما ينبغي. كما أنه يسبب الشك في القضية المشهود فيها. والنسوة عامة لا يلقين إهتماما بالمعاملات التجارية. فمعرفتهن فيها تكون ناقصة. فالنقصان ليس نقصانا في ذات المرأة بل هو نقصان المعرفة كما بينا. وبهذا نقول إن الحديث قد شرح مقصود الآية 282 من سورة البقرة. لأن الإنسان لا يعرف التفاصيل والدقائق في القضية بمجرد السماع أو الرؤية، كما أنه لا يعتبر مجرد الرؤية شهادة، لأن الشهادة تكون بشهود عيان ومعرفة الأحكام المتعلقة بالقضية معرفة حقيقية واضحة.

أ. شهادة المرأة على الزنا

والمذاهب الأربعة لا تقبل شهادة المرأة في الزنا. بالرغم من أن القرآن لا يفرق بين شهادة المرأة والرجل في هذا الموضوع. قال الله تعالى: « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» (النساء، 4/15).

والآيات المتعلقة باللعان، قد وضحت موضوع شهادة المرأة ؛ فقال الله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (النور، 24/ 6-9)

وقول الرجل «إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» قد اعتبر شهادة. وبتكراره أربع مرات أخذ مكان أربع شهادات. فتخلص الرجل بهذه الشهادة من تهمة الزنا.

وكذلك قول المرأة « إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ» يأخذ مكان أربعة شهداء، فتساوي شهادتها مع شهادته.

وكل واحد من الزوجين قال نفس الكلام الذي قاله الآخر. والفرق الوحيد أن كلام الرجل كان بالإيجاب أما كلامها فبالنفي.

والزوج يقول: « إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» أربع مرات.

والزوجة تقول:  « إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ» أربع مرات.

وشهادة الزوجة هذه قد جعلت شهادة الزوج ملغية.

وفي الخامسة  قال الله عن الزوج:«أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ». وقال عن الزوجة: « أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ» وهذا الكلام من الزوجة يجعل كلام الزوج ملغيا غير معتبر. وهذا يدل على أن شهادة المرأة في موضوع الزنا كشهادة الرجل.

ب. شهادة المرأة في الطلاق

قال الله تعالى: « فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ» (الطلاق، 65/2).

وفي موضوع الطلاق كذلك لا فرق بين شهادة المرأة وشهادة الرجل.

ج. تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم

عن ابن جريج قال سمعت ابن أبي مليكة قال حدثني عقبة بن الحارث أو سمعته منه: «أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ. قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ. فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، فَنَهَاهُ عَنْهَا».[2]

وهذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على عدم التفريق بين شهادة المرأة والرجل. وبالرغم من بيان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر الفقهاء شهادة المرأة كافية في إثبات الرضاعة.

وننقل قول عمر نصوحي بلمن في هذا الموضوع، وهو يقول: وفي إثبات القرابة بسبب الرضاعة يشترط أن يشهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان، ولا يقبل في هذا الموضوع شهادة رجل واحد أو أمرأتين اثنتين أو أكثر منهما. أي لا يقبل شهادة المرأة بدون رجل حتى ولو كثرن.[3]

 


[1]  مفردات ألفاظ القرآن، مادة: العقل.

[2] البخاري، بابا الشهادة. 13.

[3] قاموس الحقوق الإسلامية والمصطلحات الفقهية لعمر نصوحي بِلْمَنْ،. 2/88. فصل: 296

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2٬727 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع