29. الربا

الربا

قال الله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة، 2/275).

أ‌.                  تعريف الربا  

الربا:  هو الربح العائد من الدَّين. ذلك أن تبادل السلعة يكون إما بيعا، وإما دينا. وإذا وجد فرق بين السلعتين المتبادلتين سمي بيعا، كشراء الخبز مقابل ثمن نقدا  أو إلى أَجَل. أما إذا لم يكن فرق بين المالين المتبادلين يسمى قرضا فلا يكون إلا إلى أجل، كمن يستقرض رطل قمح ليعيده على ما هو من المواصفات والكميات بعد مدة معينة. ويُمكن تَحصيلُ الرِبحِ من البيع والشراء، كأن يُشتَرَى خبزٌ بلِيرةٍ ليُباعَ نقدا بلِيرةٍ ونِصفٍ، فيُحَقَّق ربحٌ قدرُه نصفُ ليرة. والقرضُ لا يَكون مُعَجَّلا لأنه لا أحدَ يُقرِض ليَسترِدَّ ما أَقرَضَه عاجلا، ولا يَسترِدُّ في القرض إلا مثلَ ما أخذ، وأيُّما شَرطٍ يَفرِضُه فهو ربًا. وما يُقال عن القرض يَصدُقُ على الديون.

عن أسامةَ بنِ زَيدٍ أنَّ رسولَ الله ﺻﻠﯽ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ قال: «إنما الربا في الدَّين».[1] وعلى هذا فإن كل معاملة يتحقق بها عائدٌ من دين فهو ربا.

وتحقيقُ عائدٍ من الدَّين مُختلِفٌ عن تحقيقِ عائد من البيع. والذين يقولون: «إنما البيع مثل الربا» يَتَصَرَّفُون تَصَرُّفَ مَن يُصِيبُه الشيطانُ بخَبَلٍ في عقله، لأن المُساواةَ بين البيع والربا انخِداعٌ عظيم.

والذي يُعطِي مِئةَ دينارٍ ذهبًا على أنْ يَأخُذَها مئةً ودينارًا إنما يريد أن يُربِيَ به مالَه، أيْ أنْ يَزيدَه به، فعَن هؤلاء قال الله تعالى:

«وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله» (الروم، 30/39). ولو أخذ مقدار القرض أي رأس المال بدون زيادة فلا يكون ربا. كما دل عليه قوله تعالى: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» (البقرة، 2/279).

 وكان عربُ الجاهليّة (أي العرب قبلَ الإسلام) يُقرِضُون المالَ على أن يَأخُذُوا عليه كلَّ شَهرٍ قَدرا مُعَيَّنا، ويكونُ رأس المال باقيا. ثم إذا حَلَّ الأجلُ طالبُوا المَدينَ برأس المال، فإن تعذّر عليه الأداءُ زادُوا في القَدْرِ والأجل.[2] وإذا نَشَأَ الدَينُ عن بَيعٍ مُؤَجَّلٍ وحَلَّ الأَجَلُ قال: «أتَقضِي أم تُربي»؟ يَعني أم تَزِيدُني على مالي عليكَ وأَصبِرُ أَجَلاً آخَرَ؟[3]  أي أنه إذا قضى ما عليه فقد وفّى وإلا أجَّله إلى أجل معلوم مع الزيادة.

ولقد حَرَّمَ الله تعالى الربا بكل أنواعه، حيث قال في الذين لا يستطيعون أداءَ ديونِهم عندَ حُلولِ أَجَلِها: “وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة” (البقرة 2/280).

وعُدَّتِ الوقائعُ التاليةُ سببَ نزول هذه الآيات المذكورةِ: «أربعةُ إخوةٍ من ثَقِيفٍ، وهم بنو عَمرِو بنِ عُمَيرٍو: مسعودٌ، وعبدُ يَالِيلَ، وحَبيبٌ، ورَبِيعةُ كانوا يُدايِنونَ بني المُغِيرةِ المَخزُومِيِّينَ من أهل مكةَ. فلمَّا ظَهَرَ النَبيُّ ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ على الطائفِ (سنةَ ثمانٍ من الهجرة) أَسلمَ الإخوةُ ثمَّ طالبُوا برِباهُم بَنِي المُغيرةِ. فنزل قوله تعالى:

«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» (البقرة، 2/278-279).

فقال الإخوةُ الأربعةُ الذين كانوا يُعامِلون بالربا: «بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله». فرَضُوا برأسمالهم وطالَبُوا بني المغيرة بذلك. فشَكَا بنو المغيرة العُسرةَ، وقالوا: «أَخِّرُونا إلى أنْ تُدرِك الغَلاَّتُ»، فأَبَوْا أن يُؤَخِّرُوهم، فأنزل الله تعالى:

«وإن كان ذو عسرة فَنَظِرَةٌ إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون» (البقرة، 2/280)».[4]

ب‌.             سد الذرائع المؤدية إلى الربا

لقد حرص الإسلام على سدّ كل منفذ الى الربا، وهذا الحرص يظهر جليا في الأحاديث الشريفة، فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسول الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ قال: «لا تَبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثلٍ، ولا تُشِفّوا بعضَها على بعض. ولا تبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلا مثلا بمثل. ولا تبيعوا بعضَها على بعض. ولا تبيعوا منها غائبا بناجِزٍ».[5]

واستبدالُ مالٍ بآخَرَ من جِنسه يكون أكثرَ ما يكون في الدين. ولقد سَدَّ رسولُ الله ﺻﻠﯽالله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ كلَّ بابٍ يَنفُذُ مِن خِلالِه مَن تُسَوِّل له نفسُه تحليلَ الربا في صورة البيع بأحاديثه الواردة في موضوع “بيع المَوادِّ الستِّ”، فأحكَمَه بسِياجٍ منيعٍ لا يمكن اقتحامُه، لأن تلك الموادَّ لا تخلو من أن تكون محلا للدين. وفيما يلي بيان الموضوع بالتفصيل:

  1. 1.              إستبدال المواد الستة بأجناسها معجلا

يُشترَط في الذهب والفضة والحِنطة والشعير والملح والتمر عندَ استبدالِها بأجناسها أن يكون الإستبدالُ مُعَجَّلا. وعلى هذا، من يدفع عشر  قطع من الذهب ليأخُذَ بَدَلَها إحدى عشرة قطعة مؤجلا يعتبر ربًا وليس ببيع. وهذا مُهِمٌّ للغاية لأننا لو سَمَّيناه بيعًا لأَخَذَ الناسُ يَتَعاطَوْن الديون الرِبَويّةَ في صورة البيع، وعدوا استدانة 100 قطعة من الذهب ثم استردادها 110 قطعة فيما بعدُ ربًا، أمَّا بَيعُ 100 قطعةٍ بـ 110 قطعة مُؤَجَّلاً يعدونه عملا تجاريا.

  1. 2.              استبدال المواد الستة بأجناسها متساوية

إشتَرطَ الحديثُ في استبدال الموادِّ الستة بأجناسها معجلا أن تكون متساويةَ المَقاديرِ. فإذا دفعَ 10 ذهبا ليَأخُذَها فيما بعدُ 11 ذهبا كان هذا العملُ ربًا. وقولُ النبيِّ ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ: «إنما الربا في النَسِيئة»[6] إذا فكَّرنا فيه وعَقَدْنا الصِلةَ بينه وبين هذا تَبَيَّن لنا مدَى أهَمِّيّةِ التحريمِ المذكور.

وقصد المُرابي في الأصل هو أنْ يَستعِيدَ تلك اﻟ 10 التي سيدفعها 11. ولو استطاع إنجازَ هذا العملِ بطُرُقٍ مشروعةٍ لَحَوَّله إلى قَرضٍ دُونَ عَناءٍ. كأن يدفعَ 11 ذهبا ويأخذَ عليها الضَماناتِ اللازمةَ، ثم يشتري بـ 10 أخرى من الذهب تلك اﻟ 11 التي عند الدائن. وفي نهاية هاتين العمليتين يكون قد دفع للمدين 10، ويصيرُ دائنا ﺒ 11 ذهبا. وحتى لا يحدث هنا حالة غير مرغوبة ؛ فيلزم إما أن تُقَيَّدَ هذه العمليةُ في وثيقة، وإما أن يَكفُلَ المدينَ واحدٌ مِمَّن يَثِقُ بهم الدائنُ. بل يُمكن إجراءُ مثلِ هذه الأعمالِ في المؤسسات. أما وقد اشتُرط في الأموال متحدة الجنس إذا استُبدِل بعضُها ببعض أن تَتساوى مقاديرُها فقد أُغلق هذا الباب، فلا مَنفَذَ إلى الربا.

وفي الماضي كان هناك أساليب شتى في الديون تسمحُ للدائن تحقيق ربح قانوني عن طريق بيعٍ صُوريٍّ سُمِّيَ بـ «المُعاملة الشرعية». وذلك كأن يَعرِضَ المدين سِلعةً له على مَن سيُعطيه دَينا ويقولُ له: «بِعتُك هذه بـ 10 ذهبًا»، فيَشتريها الدائنُ ويَستلِمُها ويَدفعُ ثمنَها. ثم يقول الآخَرُ لهذا: «بِعنِي هذه السلعةَ على أن أَدفعَ ثمنَها بعد سنةٍ 11 ذهبًا»، فيَبيعُه إيّاها. فيكون أَحَدُهما قد أقرضَ الآخَرَ 10 ذهبا مُقابلَ 11 مُؤَجَّلا بهذه العملية التي هي في ظاهرها بيعٌ ولكنها في الحقيقة ربا.

وكان في بعض المصارف التي أُنشِئت في العهد العثماني، «صُندوق الأَمنِيّاتِ» ساعةُ جَيبٍ؛ وكان الغَرضُ منها تَحليلَ ما كان سيدفعه المُستقرِضون مِن ربًا، تباع تلك الساعة عدة مرات كلَّ يومٍ، ثم تُوهَبُ للصُندوق.[7]

ولو لم يَكنِ التحريمُ السابقُ لعُيِّن مكانَ تلك الساعة مُوَظَّفٌ في المَصرِف يقوم باسم المُستقرِض بالإجراءاتِ المعَيَّنةِ أولا، ويُقرِضه 11 ذهبا ثانيا، ثم يُعطِيه 10 ذهبا.

  1. إستبدال المواد متقاربة الجنس معجلا

عن عبادة بن الصامِتِ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبِيعُوا كيف شِئتُم إذا كان يدا بيد».[8]

والأحاديثُ المُتَعَلِّقةُ بالموضوع تَعُدّ استبدالَ الذهب بالفضة، والحنطةِ بالشعير من استبدال المواد المختلفة في الجنس والمتحدة في النوع، ولم يُذكرْ فيه التمرُ بالملح من النوعين المختلفين.

عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «… ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يدا بيد، وأما نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البُرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرُهما، يدا بيد، وأما نسيئةً فلا».[9]

وقد يحُل الذهبُ مَحَلَّ الفضةِ، والحنطةُ محل الشعيرِ. وهذه الأموالُ التي لا يحدث فرق كبير في ثمنها لمدة طويلة. واشتِراطُ التعجيلِ في تبادلِ هذه الأموالِ فيما بينها سَدَّ بابا من أبواب الربا.

مثال ذلك: إذا كان  دينار واحد[10] بقيمة 10 دراهم، فلابد أن تكون 100 دينار بـ 1000 درهم. ولو لم يُحَرَّمِ استبدالُها مؤجلةً لباع المرابي تلك  الـ 1000 درهمٍ التي بيده بـ 120 دينارٍ على أن تُدفَعَ بعد سنة، فيكون قد حصل على نسبة 20% من قرض يمارسه تحت ستار البيع والشراء. وما يُقال هنا عن الدينار والدرهم يُقال عن الحنطة والشعير.

وقد سد هذا الحديث الطريق المؤدي إلى استبدال الليرة التركية بالعُملة الصعبة مؤجلا، فلا يمكن إذن دفعُ ما يُعادِل اليومَ 1000 دولار أمريكي من ليرة تركية مثلاً على أنْ تسترد بعد سنة 1200 دولار أمريكي، لأن هذه الأموال يحل بعضها محل بعض. من خلال الأحاديث المذكورة أعلاه يسهل فهمُ هذه العملية بأنها عمل ربوي.

  1. إستبدال الأموال المختلفة بسعر يومها

عن ابن عمر قال: «كنت أَبيع الإبل بالبَقِيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذ الدراهم؛ أبيعُ بالدراهم وآخُذُ الدنانيرَ، آخذ هذه مِن هذه، وأُعطِي هذه من هذه، فأتيتُ رسولَ الله ﺻﻠﯽالله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ وهو في بيتِ حَفصةَ، فقلتُ: “يا رسول الله! رُوَيدَكَ أسألك. إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه”، فقال رسولُ الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: “لا بأسَ أن تأخذَها بسعر يومِها، ما لم تَفترِقا وبينَكما شيءٌ”».[11]

وعليه فاستبدالُ الذهب بالفضة يجب أن يكون بسعر يومِهما، ولو لم يكن هذا المنع لوقع الناس في حرمة الربا، ومثاله: أن يُقرض المرابي شخصا11 دينارا ويأخذ عليها الضماناتِ اللازمةَ ثم يشتريها منه بـ 100 درهم،علماً أن سعر الدينار الواحد هو 10 دراهم لا غير، وبالنهاية يحصل المرابي بهاتين العمليتين اللتين أجراهما بصورة البيع والشراء على قرض ربوي بزيادة 10 %. ولولا اشتراط السعر اليومي في استبدال العملتين المختلفتين لعله كانت ستُنشَأُ لهذه المعاملة مؤسساتٌ مصرفية لها صبغة قانونيةٌ. ولكن هذا الإشتراط قد أغلق باباً من الأبواب التي تفضي إلى الربا.

ت. الأخطاء الأصولية في المذاهب

قسمت المذاهب الأربعة الربا إلى قسمين: ناتجٍ عن البيع، وآخرَ عن القرض، وبنوا نظام الربا على الأحاديث التي ذكر فيها الربا الناتج عن البيع والشراء، أي الذهبِ والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح. وصنفوا ربا القرضِ ضمن القرضِ والصُلحِ بشكل مُختَصَرٍ جِدّا بدل أن يُصَنِّفُوه في كتاب الربا والصَرف. ومن الصعب فَهمُ سبب اعتبار الفقهاءِ الربا من أقسام البيع رغم قوله تعالى: «وأحل الله البيع وحرم الربا» (البقرة،  2/275).

وحين بنى الفقهاءُ نظامَ الربا على بعضِ أنواعِ البُيوع المتعلقة بالمواد الستِ، ورَأَوْا أنه لا يَقتصِر عليها وحدَها، أخذوا يستنبطون من تلك الأحاديث العلل المفضية إلى الربا ووَسعوا دائرتَه بالقياس، فوقعوا في التناقض.

فالحنفيةُ ذكروا للربا علتين هما القدرُ والجِنس، ويدخل في القَدر الكَيلُ والوَزنُ. ودليلُهم في عِلَّة الجنس حديثُ: «الذهبُ بالذهب والحِنطةُ بالحنطة»، وفي القَدْر حديثُ: «مثلا بمثل». وبَيَّنُوا كيفيةَ استنباطِهم القدرَ من الأحاديث بقولهم: «ويَعني بالقدر الكيلَ فيما يُكال والوزنَ فيما يُوزن».[12] وقالوا أيضا: «فقولُه: “الحنطة بالحنطة” معناه بيع الحنطة بالحنطة التي هي مالٌ مُتَقَوِّمٌ … فالإسم يتناول الحبةَ الواحدة ولا يبيعها أحدٌ، … ولو باعَها لم يَجُز لأنها ليست بمال متقومٍ، فعُلِم ضرورةً أنَّ المرادَ الحنطةُ التي هي مال متقوم، ولا يُعلَم ماليَّتُها إلا بالكَيل، فصارت صفةُ الكيل ثابتةً بمُقتَضَى النص. وكذلك قولُه: “الذهب بالذهب” فالإسمُ قائمٌ بالذَرَّة ولا يبيعُها أحدٌ، وإنما تُعرَف ماليتُها بالوزن كالشعير ونحو ذلك، فصارت صفةُ الوزن ثابتةً بمقتضى النص، فكأنه قال: “الذهب الموزون بالذهب، والحنطةُ المَكِيلةُ بالحنطة”».[13]

وفَهِمُوا مِن حديثِ: «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبِيعُوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» المذكورُ سابقا بأنَّ المواد المتحدة الجنسِ، المختلفة في وحدات القياس، أو المختلفةَ الجنسِ والتي تكون وحداتُ قياسِها الكيلَ أو الوزنَ، إذا استُبدِلت منها مادَّتان فيما بينهما وجب التعجيل.

وعلى هذا إذا استُبدِلَت خُردةٌ من حديدٍ بعَمود من حديد وَجَبَ أن يكون وزنُهما متساويًا، وأن يُعَجَّلَ التبادلُ وإلا كان ربا. أما إذا كان الإستبدالُ حديدا بنُحاسٍ اكتُفِيَ بالتعجيل وَحدَه، لأنَّ كُلاًّ منهما يُباع ويُشتَرَى بالوزن، ولإختلاف جنسيهما يجوز زيادةُ أحدِهما على الآخر، ولكن لا يجوز التأخيرُ في استبدالِهما حتى لا يُوقِعَ ذلك في الربا.

وبناءً على هذا الحكم فإن استبدال النقود المضروبة من الذهب والفضة بما يُباع بالوزن مُؤَجَّلا وَجَبَ اعتبارُه ربًا، لأن الذهب والفضة يباعان وزنا أيضا.

إلا أنَّ الحنفية رَأَوا جوازَ هذا التبادلِ وفسَّروه بقولهم: تختلف الدنانير والدراهم المضروبة من الذهب والفضة عن الأموال الأخرى المستبدلة بالوزن من حيثُ الصورةِ، لأنَّ الدنانيرَ والدراهمَ تُوزَن بوَحَداتٍ يُقال لها صَنجاتٌ،[14] بينما تُوزَن بَقِيةُ الأموال بوحدات أُخَرى يقال لها الأمناءُ.[15] وكذلك يختلف بعضُها عن بعض اختلافا معنويا؛ حيث إنَّ الدنانير والدراهم لا تتعين بالتعيين، بخلاف الأموال فإنها تتعين بالتعيين.[16]  ويختلف بعضُها عن بعض من حيث الأحكام أيضا. فإذا بِيعَ دينارٌ (قطعة من ذهب) باثني عَشَرَ  مَنّا من حديد مثلا؛ فللبائع الحديدُ وللمشتري الذهبُ. ولو وزن كل منهما ما عنده حيث لا يراه الآخَرُ، فإنه لا يجب في النقود إعادةُ الوزن في كل بيع، بخلاف غيرها من السلع فإنه يجب فيها إعادة الوزن حتى تباع. ولهذه الإختلافات يقولون بعدم الإشتراك بين النقود الذهبية والفضية وبين غيرها من الموزونات في الوزن من كل وجه.[17]

إنه لمن التناقض التامِّ اعتبارُ الوزن علةً للذهب والفضة لكونهما يباعان بالوزن ثم إهمالُ العلة عند تبادلهما بغيرهما من الأموال. وكان على الحنفية ألا يعتبروا الوزن علة للربا، وكان عليهم أن يقولوا بأنه لا يصح اعتبارُ الوزن علة للربا في الذهب والفضة مهما بِيعا واشتُرِيا،لكونهما يختلفان عن سائر الأموال صورةً ومعنًى وحُكمًا.

كما لا يمكن أن يكون الوزن علة للربا فإنه لا يمكن أن يكون الكيل علة له كذلك. وهذا يكفي لبيان خطأ المذهب الحنفي في نظام الربا.

وما قيل عن الحنفية يقال عن الحنابلة: وهم يقولون: «لو كانت العلةُ في أثمان الوزن لم يَجُزْ إسلامُهما في الموزونات، لأنَّ أَحَدَ وَصفَي علةِ ربا الفَضلِ يكفي في تحريم النَسيء».[18] ومن ناحية أخرى هم يقبلون الوزن علة للربا كالحنفية. فما أكبرَه من تناقض!

أما المالكية فنظروا إلى المواد المذكورة الحنطة والشعيرِ والتمرِ والمِلحِ فرَأَوا أنَّ الربا لا يكون إلا فيما يُدَّخَرُ من الأَقواتِ (المواد الستة الأساسية) أو ما يُلذِّذُ الطعامَ كالملح.

فهذه الأجناسُ إذا استُبدِلت فيما بينها مُنِعَ فيها التفاضُلُ والنَسيءُ، وإن اختلفت الأجناس جازَ فيها التفاضل دون النسيءُ.

هذا الرأي بالرغم من مخالفَته الآيةَ التي تُفَرِّق بين البيع والربا فهو منسجم مع نفسه، لأن الحنطة والشعير والتمر من المواد الغذائية الأساسية، وهي كذلك مما يدخر، والمِلح يلذذ الطعام ويدخر.

واعتبرت المالكية مقايضة جميع المواد الغذائية بعضِها ببعضٍ إلى أجل، سواءٌ كانت تُدّخَر أم لا تدخر، ومقايضةَ كلِّ شيءٍ بمِثلَيه مِن جنسه إلى أجل، إعتبرت كلَّ ذلك من ربا النسيئة.[19] وهذا مما لا يوجد له أساس في نظامهم الربوي.

أما الشافعية فيرون لفظ الربا مُجمَلاً، أي مُبهَمًا بَيَّنه النبيُّ ﺻﻠﯽ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ،[20] ويَقصِدُون بالبيان الأحاديثَ المتعلقةَ ببيع المواد الستِ بعضِها ببعض.

تقول الشافعية: «الربا من أكبر الكبائر، ولم يَرِدْ تَحليلُه في أيِّ شريعة. ولم يُعلِنِ اللهُ تعالى في كتابه الحَربَ على أيِّ عاصٍ إلا على آكِلِ الربا. وتحريمُه تَعَبُّدِيٌّ، وكلُ ما أُبدِيَ له إنما يَصلُح حِكمةً لا عِلّةً».[21] والمَقصودُ بالتعَبُّديِّ ما لا يُدرَك معناه، بل يُتّبَع بمُوجب العُبوديّة مِن أمرٍ أو نَهيٍ.[22] وكيف يَجري القياسُ على ما لا تُدرَك له علةٌ مُوجِبة للحكم؟! ولكنَّهم مع هذا ذَكَرُوا للربا علتين؛ الطَعمِيّةَ والثَمَنِيّة،[23] وبَنَوا مذهبَهم على هاتين العلتين وكأنهم لم يقولوا القولَ السابق  المذكور آنفاً. ومعنى الطَعميةِ كونُها من المواد الغذائية، ومعنى الثمنية كونها ذهبا أو فضة أو نقداً مضروباً من هذين المَعدنين. وفي الحقيقة يصعب فَهم هذا الرأي، إذا كان تحريمُ الربا تعبديا فلم إذن هذه العِلَلُ كلُّها؟ وإذا كانت تلك العللُ موجودةً فلم تقولون إذن بأنَّ تحريمَ الربا تعبدي؟!.

وآياتُ تحريم الربا من آخر ما نزل من القرآن كما روي عن ابن عباس. إلا أنَّ النبيَّ ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ أَعلنَ في خُطبة الوداع أنَّ ربا الجاهلية موضوعٌ، فلا بد وأنَّ الآيات كانت قد نزلت.

ويدخل موسم الحج في الشهرِ القمري ذي الحجةِ، وفي اليوم التاسع منه يَقِفُ الحجاج بعرفة. وكانت حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة، وخطبها رسول الله بموقف عرفات. وفي صباح يوم الإثنينِ، الثانِي عشر من ربيع الأول، من سنة إحدى عشرة من الهجرة توفي رسول الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ.[24] فكان قد مَضَى عن وضعِه ربا الجاهلية في خُطبته إلى وفاته ثلاثة أشهر قمرية وثلاثة أيام. عن جابِرِ بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ قال في خطبة الوداع: « … وربا الجاهلية موضوع، وأولُ ربا أضعه ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله … ».[25]

والربا الموضوعُ في هذه الخطبة معروفٌ لَدَى الجميعِ، فلم يكن أحَدٌ بحاجة إلى الإستفسار. ويُمكن أن يُفهم أنَّ التحريمَ المُتَعلِّقَ بالمواد الست والذي ذَكَرَه النبيُّ ﺻﻠﯽ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ في هذا الحديث لا يُشَكِّل أصلَ الموضوع، ولكنه صلى الله عليه وسلم وضع سورا  يحمي به الناس من الوقوع في الربا.



[1]   الدارمي، البيوع 42.

[2] التفسير الكبير للفخر الرازي 1357/1938، مصر 7/91.

[3] المقدمة لابن رشد (-520/1126) مع المدونة الكبرى لمالك بن أنس، 3/18، المطبعة الخيرية 1324. أحكام القرآن لابن العربي، دار إحياء التراث العربي 1/241. ويتحدث ابن العربي هنا عن الديون المترتبة على البيع المؤجل، وهو الذي كتبناه سالفا.

[4] أنظر تفسير الرازي 7/106-110؛ وكذا انظر: آلماليلي حمدي يازير، حق ديني قرآن ديلي. استانبول، 1935 ص. 972

[5] مسلم، المساقاة، باب 14 (1584).

[6] مسلم، المساقاة 102 (1596). النسائي، البيوع 50.

[7] أخذت هذه المعلومات من المفتي السابق لمدينة إسطنبول صلاح الدين قايا.

[8] مسلم، المساقاة باب 81 (1581).

[9] سنن أبي داود، باب في الصرف، 3349.

[10] يقال للمال المضروب من الذهب الدينار، وللمضروب من الفضة الدرهم.

[11] سنن أبي داود، باب 14، حديث 3354. النسائي، البيوع 50.

[12] المبسوط للسرخسي 12/113.

[13] المبسوط للسرخسي 12/116.

[14] السَنجة أو الصَنجة كلمة معربة من الفارسية “سنك ترزون”، جمعها صَنجات أو سنجات أو السنج. أنظر شرح الهداية مع فتح القدير لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي، 5/274.

[15] والمَنّ ستون ومئتا درهم (260). أنظر المعجم لعمر ناصوحي بيلمان، إسطنبول 1967، 4/126. والدرهم الشرعي 2.975 غرام والمن يساوي 774 غرام.

[16] معنى عدم تعين النقود بالتعيين أنه لا يجب دفع النقد عينِه عند شراء سلعة أو خدمة، لأن المهم ليس النقد بعينه، وإنما ما يمثله من قوة شرائية. أما غيره من الأموال فالمهم فيها أعيانُها.

[17] الهداية بشرحيها فتحِ القدير والبابرتي 5/274.

[18] المغني لابن قدامة 4/138.

[19] المقدمة لابن رشد 3/49-51.

[20] الفخر الرازي 7/99.

[21] التحفة لابن حجر الهيثمي 4/272-278.

[22] أنظر الشرواني، حاشية تحفة المحتاج 4/272، باب الربا.

[23] التحفة لابن حجر 4/273.

[24] الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، بحث في السيرة النبوية، لبنان 1408هـ/1988م ص 431.

[25] سنن أبي داود، المناسك، 57، حديث رقم 1905.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1٬962 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع