بيع الفلس

بيع الفلس

الفلس يجمع على الفلوس، ويطلق على نقود مضروبة من المعادن من غير الذهب والفضة. وهو كالنقود الورقية من حيث أن قيمته النقودية فوق قيمته المعدنية الحقيقية. ولا يوجد آية ولا حديث يمكن استنباط القواعد نعتد  عليها في بيع الفلس. فالقواعد المتعلق ببيع الفلس قد وضعت من قبل بعض الفقهاء.

النسيئة في بيع الفلس ربا عند الحنفي والمالكي والحنبلي. ولم يذكر أي قواعد أو ضوابط في بيع الفلس في المذهب الشافعي والظاهري. وذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن يتوفر في بيع الفلس كل الشروط اللازمة في بيع الذهب والفضة.

أ‌. بيع الفلس عند من لم يضع الضوابط فيه

يجوز في المذهب الشافعي ان يكون أحد البدلين أكثر في مبادلة الفلس بالفلس. كما لا بأس من أن يكون أحد البدلين نقدا والآخر مؤجلا.[1] لأنه لا يوجد في الفلس علة الربا حسب قول المذهب الشافعي. ولأن الفلس لم يضرب من الذهب ولا من الفضة، فلا بأس في بيع 100 فلس بـ 110 فلس نسيئة لمدة شهر. وقد ذهب المذهب الظاهري إلى القول بجواز جميع أنواع بيع الفلس. لأن المذهب الظاري يرى عدم تحقق الربا في غير المواد الستة. كما قال ابن حزم "ولا ربا في غير ما ذكرنا أصلا".[2]

ب‌. الراي القائل بتحقق الربا في بيع الفلس نسيئة

يقول المذهب الحنفي: يتحقق ببيع الفلس بالفس نسيئة ربا النسيئة لإتحاد العوضين في الجنس.  والمذهب المالكي أيضا يقول بعدم جواز بيع الفلس بفلسين نسيئة. لأن المذهب المالكي يرى  أنه يتحقق ربا النسيئة باتحاد العوضين في الجنس في جميع الأشياء. [3]

ت‌. من يرى الفلس كالندينار والدرهم

وقال  من التابعين يزيد بن أبي حبيب (53-128هـ /  673-746 م) عبيد الله بن أبي جعفر (المتوفى. 99 هـ /   718 م )، يحيى بن سعيد (المتوفى. 144 هـ /  761 م )، وربيعة (المتوفى, 136 هـ /  753 م ) أن الفلوس المضؤوب من المعادن من غير الذهب والفضة  هي في حكم الدينار والدرهم.

قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما كرها الفلوس بالفلوس وبينهما فضل أو نظرة وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم.[4]

وقال مالك: لا يصلح الفلوس بالفلوس جزافا ولا وزنا مثلا بمثل ولا كيلا مثلا بمثل يدا بيد ولا إلى أجل ولا بأس بها عددا فلس بفلس يدا بيد، ولا يصلح فلس بفلسين يدا بيد ولا إلى أجل، والفلوس هاهنا في العدد بمنزلة الدراهم والدنانير في الورق.[5]

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يجوز مبادلة فلس بفلسين بأعيانهما. ولا يتحقق فيها ربا الفضل لأنه ليس بمال موزون ولا مكيل. واعتبرها الالإمام محمد ربا. وقيل بأعيانهما لأن الفلس نقود. ولذا اعتبرها الإمام محمد بالرغم أنه  لا يقول  بيع واحد باثنين من الأموال معدودة  ربا بشرط أن تكون المبادلة يدا بيد.

وقد جاء قول الإمام محمد في الفلس على النحو التالي:

"الفلوس نقود. فلا يجوز بيعها جنسا بجنس فضلا كالدرينار والدرهم. ويصلح الفلس أن يكون ثمنا للبضائع يدل على أنه نقود.  كما أن الدينار والدرهم تيكونان ثمنا للبضائع  كذلك الفلس يكون ثمنا للبضائع. ولذا نقول أن الفلس قود. وهو نقود لجنسه كما هو نقود لغير جنسه".

ولا يتعين الفلس بالتعين لأنه نقود. كما لا يتعين الدينار والدرهم. وكذلك الحال في بيع فلس بفلسين. ولم يجز هذه المبادلة لأنها لم تكن باعيانهما لعدم التعين بالتعين.  فيكون الفلس مقابل فلس والفلس الثاني خالي عن العوض فتحقق الربا.[6]

ومعنى عدم التعين بالتعين،  جواز دفع دينار أو درهم آخر بنفس القيمة بعد شراء سلعة بدنار أو بدرهم معين. أي يمكن للمشتري أن يدفع نقودا آخر أما البائع لا يمكن أن يدفع سلعة أخرى مكان السلعة التفقة عليها في البيع. لذا نقول أن السلعة تتعين بالتعين.

للوهلة الأولى يرى أن رأي الإمام محمد مخالف لراي أبي حنيفة في الربا. لأن علة الربا عنده القدر والجنس. والقدر  هو الكيل والوزن. ويجب أن يكون البدلين مساويا في القدر، في مبادلة المواد المتحدة الأجناس سواء كانت السلعة المبادلة كيلا أو وزنا كما يشترط أن تكون يدا بيد.  كما بيناه سابقا في موضوع الربا. والفللوس المبادلة هي من جنس واحد؛ ولكن لا يوجد فيها علة الربا لأنها تباع بالعدد. ولم يخالف على ذلك الإمام محمد. ولكنه اعتبر الفلوس نقودا. ولم يعتبر أبو حنيفة وأبو يوسب اللفلوس نقودا حين يقول بجواز بيع  فلس بفلسين. ولو قالا بنقودية الفلس لقالا كما قال الإمام محمد رحمة الله عليهم أجمعين. وذا يفهم من أقوالهم التالية:

ونحن نرى أنه قد ألغيت نقودية الفلس قبل البيع حسب رايهم، وأجريت المبادلة على أنه سلعة تجارية تباع بالعدد. فيكون الفلس كالأباريق التي تباع بالعدد فتجوز بيع واحد منها باثنين. ولكن يبقى نقوديته تجاه السلع الأخرى. عدم اعتبار  نقودية الفلس في لحظات من الزمن هو لضرورية صحة الصفقة؛ لأنهما قاما بهذه الصفقة لتكون صحيحة. ولا يصح الصفقة إلا بهذا الشكل. أي لو اعتبر الفلس نقودا حين البيع، لا يجوز بيع فلس بفلسين.

ويقول الإمام محمد: والمال يكسب وصف النقودية بقبول جميع الناس، ولا يفقد المال هذا الوصف بعدم قبول إثنين أو ثلاثة من الناس.

وجاء في الإختيار وقال محمد لا يجوز بيع فلس بفلسين لأنها أثمان فصارت كالدراهم والدنانير، وكما إذا كان بغير أعيانهما، ولهما أي أبي حنيفة و أبي يوسف أن ثمنيتها بالاصطلاح فيبطل به ايضا وقد اصطلحا لإبطال، إذ لا ولاية عليهما في هذا الباب. بخلاف الدنانير والدراهم، لأنهما خلقت ثمنا. وبخلاف ما إذا كانا بغير أعيانهما.[7]

ويكون البدل دينا في ذمة المشتري وإن كان نقدا من زمن العقد حتى التسلم لأن النقود لا يتعين بالتعين. ويمكن المدين أن يؤدي دينه 500 ليرة بدفع 500 ليرة أخرى من نفس الجنس، لأن الدين يؤدي بالمثل. لذا نقود؛ لو أنه اشترى طنا من الشكر بـ 1000 ليرة، وعنداما أراد أن يدفع 1000 ليرة للبائع هب الريح وطارت الـ 1000 ليرة في البحر فلا يطبل البيع. فعلى المشتري أن يدفع للبائع 1000 ليرة أخرى لأنها أصبحت دينا في ذمته. وسقوط النقود في البحر ليس سببا في فسخ البيع؛ فمن الممكن أن لا يكون عند المشتري نقودا عند العقد. كذلك لا يبطل البيع بإتلاف النقود. ولكن يطل البيع إذا تلف السكر بنزول المطر قبل التسليم. ليس من الضروري على البائع أن يعطي للمشتري طنا من السكر الآخر، كما لا يجبر المشتري على أن يأخذها. لأن السكر دين يتعين بالتعين.

أم قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يجوز بيع فلس بفلسين بأعيانهما؛ فالمراد به: أن الطرفين يعينان الفلوس المراد بيعها. ولا يمكن لأي من الطرفين أن يدفع إللآخر غير ما اتفقا عليها من الفلوس. ولو ذهب أحد الطرفين بطل البيع. وهو يشبه بيع إبريق بإبريقين. ولا حق لأي من الطرفين أن يعطي صاحبه إلا الإبريق المتفق عليه. لأنه سلع يتيعن بالتعين. فكل من البدلين ثمن لآخر. والفلس في هذه المعاملة ليس نقودا بل هو سلعة تجارية.

ولو اعتبر الفلس في هذه المعاملة نقودا، لا بد وأن يكون لكل من الطرفين حق في دفع صاحبه فلسا آخر. لأن النقود لا يتعين. ويكون النقود التي لا تتعين دينا في ذمة المشتري من زمن العق إلى زمن الأداء. لذا لا يبطل البيع لو تلف أحد الفلسين المبادلين. فيكون الفلس مقابل فلس والفلس الثاني يبقى بلا عوض. وتحقق فيه الربا على المذهب الحنفي لأن فيه الفضل.

ومحمد رحمه الله يقول الفلوس الرائجة ثمن والأثمان لا تتعين في العقود بالتعيين كالدراهم والدنانير ألا ترى أنها لو قوبلت بخلاف جنسها لم تتعين حتى لو اشترى بفلوس معينة شيئا فهلكت قبل التسليم لا يبطل العقد ولو اشترى بها جاز فكذلك إذا قوبلت بجنسها لأن ما يتعين بالتعيين فالجنس وغير الجنس فيه سواء.

وفي الأصل روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الفلوس ثمن من وجه مبيع من وجه وهي ثمن لبعض الأشياء في عادة التجار دون البعض.[8]

ث‌. بيع الفلس بالذهب أو الفضة

يمكن ترتيب آراء المذاهب في الموضوع على النحو التالي:

1. المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي والظاهري

وقد ذهب هذه المذاهب إلى جواز بيع الفلس بالذهب أو الفضة نسيئةلأسباب مختلفة.

وفي المذهب الحنفي يجوز بيع الفلس بالدرهم والدينار والذهب و الفضة سواء كان نقدا أو نسيئة. لأنه لا يوجد بينهما علة الربا، ويفترق في الجنس، ولأن الذهب والفضة موزون أما الفلس فعددي. وهو قول إمام محمد وأحد قولي أحمد بن حنبل.

وجاء في فتح القدير؛ وفي شرح الطحاوي: لو اشترى مائة فلس بدرهم وقبض الفلوس أو الدرهم ثم افترقا جاز البيع لأنهما افترقا عن عين بدين وقد قدمناه ، فإن كسدت الفلوس بعد ذلك فإنه ينظر إن كان الفلس هو المقبوض لا يبطل البيع ؛ لأن كسادها كهلاكها.[9] وشرط قبض الفلس أو الدرهم لكون البدلين نقودا ولو لم يقبض أحد البدلين قبل افتراق الطرفين لا يجوز لأنه في هذه الحالة يكون بيع الدين بالدين. وكذلك يشترط القبض في بيع الفلس بالذهب.[10]

وفي الذهب الشافعي يجوز بيع الفلس بالذهب والفضة والدرهم والدينار في جميع أشكل البيع لأنه لا يوجد في الفلس علة الربا.[11] وإلى هذا ذهب المذهب الظاهري؛ لأن الفلس ليس من المواد الستة المذكورة في الأحاديث.[12]

2. المذهب المالكي

ويرى المذهب المالكي؛ أن الربا معلل وعلته غلبة الثمنية وهو المشهور ولا يتحقق هذا إلا في الذهب والفضة. ولا يقاس فيه الذهب والفضة بشيء آخر. وهذا هو المشهور في المذهب المالكي. وعلى هذا يجوز في المذهب المالكي بيع فلس بفلس أو بيع فلس بالذهب أوالفضة أو الدرهم أوالدينار على الاطلاق كما هو مذهب الشافعي.

ولهم قول ثاني وهو أن علته مطلق الثمنية [13] والمراد بغلبة الثمنية أن يغلب على المال وصف الثمنية. وهذا الوصف لا يوجد إلا في الذهب والفضة. وعلى هذا لا يوجد شروط معينة في بيع الذهب والفضة بالنقود الورقية كما هو المذهب الشافعي. وهذا هو القول المشهور في المذهب المالكي. وينبني على ذلك دخول الفلوس النحاس فتخرج على الأول دون الثاني.[14] وعلى هذا أن جميع أنواع النقود بما فيه النقود الورقية يوجد فيها علة الربا. كما جاء فيه قول مالك: لا يجوز فلس بفلسين ، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة ولا بالدنانير نظرة.[15]

يقول مالك: لا يصلح الفلوس بالفلوس جزافا ولا وزنا مثلا بمثل ولا كيلا مثلا بمثل يدا بيد ولا إلى أجل ولا بأس بها عددا فلس بفلس يدا بيد ، ولا يصلح فلس بفلسين يدا بيد ولا إلى أجل، والفلوس هاهنا في العدد بمنزلة الدراهم والدنانير في الورق.

وجاء في المدونة الكبرى في بيع فلس بفلس ما يلي:

قلت : أرأيت إن اشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟ قال: لا يصلح هذا. في قول مالك وهذا فاسد ، قال لي مالك في الفلوس : لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة.

قلت : أرأيت إن اشتريت خاتم فضة أو خاتم ذهب أو تبر ذهب بفلوس فافترقنا قبل أن نتقابض أيجوز هذا في قول مالك ؟

قال : لا يجوز هذا في قول مالك لأن مالكا قال : لا يجوز فلس بفلسين ، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة ولا بالدنانير نظرة .

وروى ابن وهب ، عن يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال : الفلوس بالفلوس بينهما فضل فهو لا يصلح في عاجل بآجل وإلا عاجل بعاجل ولا يصلح بعض ذلك ببعض إلا هاء وهاء قال: الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما كرها الفلوس بالفلوس وبينهما فضل أو نظرة وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم الليث، عن يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر قالا: وشيوخنا كلهم أنهم كانوا يكرهون صرف الفلوس بالدنانير والدراهم إلا يدا بيد وقال يحيى بن أيوب: قال يحيى بن سعيد: إذا صرفت درهما فلوسا فلا تفارقه حتى تأخذه كله.[16]


[1] تحفة الحاشية، ج. 4 /  صـ. 279.

[2] المحلى، جـ. 7 /  صـ. 439.

[3] المقدمات لإبن الرشد، جـ. 3 /  صـ. 49-51.

[4] المدونة، جـ. 3 /  صـ.  396.

[5] المدونة، جـ. 4 /  صـ. 15.

[6] البدائع، جـ. 5 /  صـ. 185.

[7] الإختيار، جـ. 2/  صـ.31.

[8] المبسوط، جـ. 22 /  صـ. 21.

[9] فتح القدير، جـ. 7 /  صـ. 157.

[10] رد المختار، جـ. 5/  صـ. 180.

[11] حاشية التحفة، جـ. 4 /  صـ. 279.

[12] انظر؛ المحلى، جـ. 7 /  صـ. 401.

[13] الخرشي، جـ. 5/  36.

[14] الخرشي، جـ. 5/  36.

[15] المدونة، جـ. 3/  صـ. 395.

[16] المدونة الكبرى، جـ. 3 /  صـ. 396.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 4.437 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع