بيع الذهب والفضة

بيع الذهب والفضة

ولا توجد في القرآن الكريم آية تنظم بيع الذهب والفضة والدينار والدرهم، ولكن هناك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تضع مبادئ يعتمد عليها في بيع الذهب والفضة. نود أن نقف على الأحاديث المتعلقة بالموضوع ثم نورد آراء الفقهاء.

الأحاديث المتعلقة بالموضوع

عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما فمن كانت له حاجة بورِق فلْيصطرفْها بذهب ومن كانت له حاجة بذهب فلْيصطرفْها بالورِق والصرف هاء وهاء.[1]

 

شراء الذهب بالذهب  والفضة بالفضة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورِقَ بالورِقِ إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز.[2]

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا.[3]

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: قال أبو بكرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم.[4]

بيع الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم

عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين.[5] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدينار بالدينار لا فضل بينهما والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما.[6]

بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة

عن ابن عمر قال: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال: إذا بايعت صاحبك فلا تفارقْه وبينك وبينه لبس.[7]

بيع الدينار بالذهب

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب تبره وعينه وزنا بوزن.[8]

بيع الدرهم بالفضة

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  الفضة بالفضة وزنا بوزن تبرها وعينها.[9]

بيع الدينار بالدينار

عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء.[10]

عن ابن شهاب عن مالك بن أوس أخبره أنه التمس صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال حتى يأتي خازني من الغابة وعمر يسمع ذلك فقال والله لا تفارقه حتى تأخذ منه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء.[11]

بيع القلادة وفيها خرز وذهب

عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تباع حتى تفصل.[12]

عن حنش أنه قال كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فسألت فضالة بن عبيد فقال انزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل.[13]

آراء المذاهب

ونظرا للأحاديث السابقة فقد اتفقت المذاهب الأربعة المشهورة والمذهب الظاهري في النقاط التالية:

لا بأس ببيع الذهب بالذهب تبرها وعينها والمضروب منها وزنا بوزن يدا بيدا، والزيادة ربا. وعلى سبيل المثال: إذا أراد شخص شراء السوار بـ 10 من ذهب الرشاد، فيوضع الذهب على كفي الميزان وعلى الكفة الأخرى السوار حتى تتحق التسوية بين الذهب والسوار، ولا يجوز طلب الزيادة مقابل العمل، وإلا تحقق فيه الربا.

وكذلك بيع الفضة بالفضة. والذي يريد أن يشتري حزاما من الفضة بالفضة فعليه نفس المعاملات السابقة.

ويشترط في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أن يكون وزنا بزون ويدا بيد، وإلا تحقق الربا. وفي بيع الذهب بالفضة يكفي أن يكون نقدا. أي يدا بيد. أمّا النسيئة (تأخر أحد البدلين) فربا. وعلى سبيل المثال: فمن أراد شراء حزام فضي بسوار ذهبي، يلزم تسليم السوار حين يأخذ الحزام. ولا يشترط فيه تساوي الوزن لأن أحد المعاوضين فضة والآخر ذهب. ولكن لا يجوز فيه النسيئة في أي حال. لأن النسيئة فيه ربا.

ونورد الآن آراء المذاهب الأربعة، بالإضافة الى المذهب الظاهري:

المذهب الحنفي

وقد زاد الحنفية على النقاط السابقة ما يأتي:

ولا يجوز خيار الشرط في بيع الذهب بالذهب، أو الفضة، وكذلك في بيع الفضة بالفضة. فالبيع فاسد بخيار الشرط إلا أن يرتفع الشرط فيتم البيع بالتقابض. ويبقى خيار الرؤية والعيب من الطرفين.

وخيار الرؤية لا يكون في النقود المضروبة من الذهب والفضة، لعدم التعيين فيها لثبوتها في الذمة ولا يفسد العقد بالإعادة، (بإعادة النقود) وفي هذه الحالة يجب الدفع بالمثل.

أن يكون الوزن متساويا ومعروفا لدى الطرفين في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. ويفسخ البيع بجهل الطرفين وإن كان الوزن متساويا.

ولو أعيدت بعض النقود بسبب كونها مزيفة، يفسخ من البيع ما يتعلق بها. وذلك أنه لو اشترى شخص 1200 درهم بـ 100 دينار، وتبين أن 240 درهما منها مزيفة، ففي هذه الحالة يعيد 240 درهما المزيفة ويأخذ 30 دينارا. أو الذي اشترى 10 أساور على أنها 22 قيراطا. ثم تبين أن اسورتين منها 18 قيراطا، فإنّه يعيد هاتين الأسورتين، والبيع نافذ في البقية.

ولا يصح بيع النقود المبتاعة عن طريق الصرف بالذهب والفضة، ولا يصدق بها قبل التقابض.

الذهب بالذهب ومع أحدهما شيء لا بد أن يكون البدل أكثر لصالح الذهب الذي معه شيء، ويكون الفضل ثمن الشيء الذي كان مع الذهب، ويشترط التقابض من كلا الطرفين. وكذلك الحال في بيع الفضة بالفضة ومعها شيء.  ولو تساوى البدل أو كان أقل أو جُهل المقدار فالبيع باطل.

وفي بيع الفضة بالذهب يشترط التقابض دون التساوي. على سبيل المثال: اشترى شخصٌ   سيْفا ْمُحَلَّىً بِالْذّهب بـ 100 درهم، فإن قبض السيف ونقد من الثمن حصة الحلية – 50 درهما – في المجلس، وبقي 50 درهما هي ثمن السيف جاز البيع. ولو افترق الطرفان قبل التقابض، جاز البيع في السيف لو أمكن نزع الحلية بدون ضرر، وإلا كان البيع باطلا.

باع شخصٌ وعاءً فضياً بالدينار أو الدرهم وابتعد عن المجلس بعد القبض لبعض البدل. في هذه الحالة يصبح البائع والمشتري مشتركَين في القسم المدفوع بدله. ولا يكون المشتري مخيرا فيه لعدم دفع البدل كاملا. ولكن لو ظهر بعد المبايعة أنّ بعض الوعاء ملك لشخص آخر فإنّه يصحُّ للمشتري إعادة الوعاء إلى البائع.  لأنه ليس من العيب. ولو أجاز صاحب الحق قبل الفسخ من قبل القاضي صحّ البيع.

لو ظهر بعد شراء التبر أن بعضها لشخص آخر فالبيع منفذ في القسم الباقي، يملكه المشتري بدفع بدله، ولا خيار له. لأنه لا يترتب أي ضرر بشراء بعض التبر. وهذا حين يظهر بعد القبض صاحب الحق. ولكن لو ظهر قبل القبض فالمشتري مخير في شراء القسم الباقي أو عدمه. وكذلك الحال في شراء الدينار والدرهم.

يجوز بيع درهمين ودينار واحد بدرهم واحد ودينارين. وفي هذا البيع يكون الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم والدينار المتبقي يعد بدلا للدرهم المتبقي. وكذلك يصح بيع 11 درهما بـ 10 دراهم و دينار واحد. وفي هذا البيع يكون 10 دراهم بـ 10 دراهم، والدرهم المتبقي يعد بدلا للدينار المتبقي.

والمدين بالدرهم يجوز له أن يدفع بالدينار. وعلى سبيل المثال: المدين بـ 10 دراهم، يمكن أن يؤديها بدينار واحد. ويشترط فيه رضا الطرفين.

والنقود المضروبة من الذهب أو الفضة والتي أضيفت إليها معادن أخرى ، فإذا كان الذهب والفضة أكثر نسبة فإنها تعد كالنقود المضروبة من الذهب الصافي والفضة الصافية. ويشترط التسوية في الوزن في مبادلتها بالذهب الخالص أو بالفضة الخالصة أو بمثلها. أما إذا كان مقدار الذهب والفضة أقل فإنها تعد كالأموال الأخرى؛ ويصح مبادلتها بالذهب الخالص والفضة الخالصة إذا كان مقدار الخالص أكثر مما فيه من الذهب والفضة، لأن الفضل يعد بدل المضاف فيه. ولا يجوز البيع لو كان مقدار الخالص أقل ما فيه من الذهب والفضة أو متساويا أو غير معلوم. لأنه تحقق الربا في الحالتين الأوليتين، أما الثالث فيحتمل أن يؤدي إلى الربا.

لا يشترط التسوية في الوزن في مبادلة الذهب بالفضة ولكن يشترط فيها النقد؛ أي أن يكون يدا بيد.

ولا يتعين المغشوش (أي النقود المضروبة من الذهب أو الفضة وقد أضيفت لهما مواد أخرى وكان الذهب أو الفضة أقل مما أضيف لهما) بالتعين إذا كان في التداول. وإذا لم يكن في التداول يتيعن بالتعين. ويمكن التعامل بهذه النقود بالعدد وبالوزن أو بهما معا.

والنقود المضروبة نصفها من الذهب أو الفضة والنصف الباقي من المواد الأخرى، تحسب كالنقود التي كانت أغلبيتها من الذهب أو الفضة. إلا أن التعامل بها يكون بالوزن. ولكنها تعتبر في  الصرف من النقود المغشوشة.  أي يكفي أن يكون الدينار الخالص أكثر وزنا من نصف البديل الذي هو نسبة الذهب من الدينار الذي نصفه الذهب ونصفه الأخر هو ما أضيف به من مواد أخرى. وعلى سبيل المثال: يجوز بيع الدينار على وزن 7 غرام نصفه من الذهب ونصفه الباقي مما أضيف به من مواد أخرى بدينار وزنه 4 غم.

إذا ابتاع العروض بالفلوس الرائجة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يجدها ويدفع بها. ولا يبطل البيع عند أبي يوسف و الإمام محمد والإمام الشافعي ومحمد بن حنبل رحمهم الله. قال أبو يوسف يجب الدفع بقيمتها في اليوم الذي حصل فيه البيع. أما عند محمد فيجب دفع قيمة اليوم الأخر من الكساد.[14]

 المذهب الشافعي

وقد جاء المذهب الشافعي ببعض الزيادات على النهي الوارد في الأحاديث. ويمكننا أن نلخصها على النحو التالي:

لا يجوز بيع الدين. لأنه بيع دين بدين آخر. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين.

 لا عبرة في كون أحد المتبادلين أكثر قيمة أوكونه مصوغا في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة. ولكن يشترط فيه أن يكون مساويا في الوزن.

ولا يصح  بيع العروض الربوية مع أموال أخرى؛ إذا كان البديل من نفس الجنس من العروض الربوية أو من أموال أخرى ولكن معها عروض ربوية. وعلى هذا:

من الممكن أن يكون للبديل المختلط نفس الخصائص. مثل بيع كغم من العجوة مع درهم واحد بكغم من العجوة ومعها درهم واحد.

من الممكن أن يختلف المقدار في البدل. مثل بيع مد من التمر بدرهم واحد ومعه مدين من التمر أو بيع مد التمر بدرهمين.

من الممكن أن يكون قد اختلط مع مواد مختلفة مع كونها من جنس واحد. مثل بيع النقود  الذهبية والخردية بالذهب أو خردة الذهب أو ما هو مختلط من الذهب وخردته.

وهذا البيع باطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: “نَهَى عَنْ بَيْعِ قِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ بِذَهَبٍ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا”. ولأنه إذا كان أحد المتبادلين مكونا من مادتين، تقسم قيمة الأخرى فيهما خرصا.  كما أنه يؤدي إلى فضل أحد البدلين أو عدم معرفة مساوية التمرين في الوزن حتى لو كان الدرهمان مضروبين في مكان واحد أو أن قياس التمرين كان بنفس المد. هذا إذا كان العوضان من جنس واحد أما إذا اختلفا فالبيع جائز. وعلى سبيل المثال يجوز بيع قلادة فيها خرز وذهب بالفضة، ويشترط فيه النقد فقط؛ أي أن يكون يدا بيد.[15]

المذهب المالكي

يمكن تلخيص آراء المذهب المالكي فيما يتعلق ببيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وبيع الفضة بالفضة والذهب على النحو التالي:

لا يجوز في هذا البيع  أن يكون تأخير في تسليم  العوضين.

سئل الأمام مالك عن الرجل يدفع الدينار إلى الصراف يشتري به منه دراهم فيزنه الصراف ويدخله تابوته ويخرج دراهم فيعطيه قال : لا يعجبني هذا ، وليترك الدينار على حاله حتى يخرج دراهمه فيزنها ثم يأخذ الدينار ويعطي الدراهم.

وقد يكون التأخير في الصرف على ثلاثة أشكال. وهي:

قد يكون الصرف بشرط تأخير أحد البَدَلَين ولو لمدة قصيرة؛ وهذا العقد يفسخ لأنه عقد فاسد.

قد يتم الصرف بدون شرط ومع ذلك يمكن أن يؤخر أحد الطرفين العوض لمدة قصيرة. وفي هذه الحالة يفسخ عقد صرف بالدينارين لو تجاوز القسم المتؤخر من دينار واحد.  وعلى هذا الأساس يكون الفسخ. وفي صحة العقد في القسم الذي تم التسليم به أو عدم صحته رأيان:

أن العقد غير صحيح. وهو رأي ابن القاسم المذكور في المدونة كما ذهب إلى هذا الرأي محمد بن المواز. لأن الطرفين قد يكونا متهمين في أنهما عقدا الصرف على أن يؤخر العوض.

أن العقد صحيح، فلا يفسخ. وقد نسب ابن المواز هذا الرأي إلى ابن القاسم.

يتم عقد الصرف بدون شرط، ولكن قد يتأخر تسليم العوض بسبب النسيان أو الخطأ أو السرقة أو غيرها من الأسباب. فلا يفسخ العقد في هذه الحالة. ولكن هناك خلاف في التخفيض على قدر التأخير أو عدمه. وعلى سبيل المثال: لو نقص دينار واحد في صرف الدنانير بالدراهم، وقال المشتري أنا لا أريد النقصان وسلم البديل بالكامل؛ قال ابن القاسم: لا يجوز ويفسخ من الصرف قدر الدينار الناقص. ويفسخ من الصرف قدر الدينارين لو زاد النقصان على دينار واحد. وعلى هذا تُجْرى المعاملة. وعلى قول أشهب: لا يكون التخفيض في البدل في حالة عدم طلب المشتري النقصان.[16]

 ويبطل العقد إذا لم يسلم البديل بالكامل. وعلى هذا:

يبطل البيع إذا لم يقبض بعض العوض في بيع الحلية.

إذا اتفق الطرفان على دفع 1000 درهم لدين مقداره 100 دينار، ودفع منها 900 درهم بطل الإتفاق. ويعاد 900 درهم إلى المدين، ويبقى عليه دينه 100 دينار.

لو اتفق مع الدائن أن يدفع تاجا من الذهب لدين مقداره 1000 دينار الناتج عن بيع النسيئة بطل العقد إن افترق الطرفان قبل تسليم التاج.

لو اتفقا على صرف 100 دينار على أن كل دينار بـ 20 درهما، وافترق الطرفان بعد تسليم 50 دينارا بطل تمام العقد. فلا يجوز أخذ بدل 50 دينارا.

والعيب الذي ظهر بعد تسليم البدل لا يبطل تمام العقد. وعلى سبيل المثال:  تم صرف 100 دينار بـ 2000 درهم، ثم ظهر أن 50 دينارا منها ذات قيمة منخفضة؛ يبطل من العقد القسم المتعلق بالـ 50 دينارا. لأن المشتري قد يأخذ 50 دينارا بالرغم من أنها ذات قيمة منخفضة.

يجوز بيع الدينار بأن يكون  نصف البدل من الدراهم والنصف الباقي من الفلوس.

ويبطل العقد بافتراق الطرفين في بيع الذهب ومعه أقمشة بالدراهم إذا لم تسلم الدراهم كاملة.  وقال الإمام مالك: يجوز هذا العقد إذا كان قيمة الذهب الذي مع القماش أقل، لأنه لا يعد صرفا. ولكن إذا كان الذهب أكثر لا خير فيه حتى ولو تسلم البدل كاملا.

المذهب الحنبلي

يمكن تلخيص أراء المذهب الحنبلي في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والذهب بالفضة على النحو التالي:

 يجوز تفريق الصفقة في الصرف. فلو قبض بعض العوض في المجلس وتفرقا قبل قبض الباقي صح فيما قبض وبطل في الباقي.  مثلا: أعطى رجل للصراف دينارين ليأخذ منه 20 درهما فقبض 10 دراهم ثم ذهب. ينفذ من العقد مقدار 10 دراهم. وعلى الصراف أن يعيد أحد الدينارين.

يصح بيع الصرف في الذمة – أي بوصف العوضين بما يتميزان به دون حضورهما بشرط التقابض في المجلس. مثلا لو تصارفا دينارا عثمانيا بعشرة ريالات عربية وليس العوضان معهما في المجلس فاقترضاهما أو بعثا من أحضرهما أو مشيا معا إلى محل فتحصلا عليهما فتقابضا صح.

يجوز التعامل والصرف بالنقود المغشوشة ولو بغير جنسها كالدراهم والدنانير المغشوشة بنحاس ونحوه لمن يعرفه وإلا فلا.

وإذا وقع الصرف على معينين من جنسين كهذه الدنانير بهذه الدراهيم ثم ظهر أحدهما مغشوشا بغير جنسه ولو بقدر يسير بطل العقد. ولو ظهر الغش في البعض بطل فيه وصح في الباقي بقسطه. أما لو ظهر معيبا من جنسه فللآخذ الخيار؛ الفسخ أو الإمساك مع أرش بالمجلس من غير جنس السليم. لكن لو كان الأرش من غير النقدين جاز تأخير قبضه.

إذا وقع الصرف على جنسين في الذمة وظهر في المجلس عيب أحدهما من جنسه فالعقد صحيح وله إبداله أو أرشه من غير جنس السليم وإن ظهر بعد التفرق فله أرشه من غير جنس السليم أو إبداله بمجلس الرد. فلو تفرقا بعد الرد قبل أخذ البدل بطل العقد. أما لو كان العيب من غير جنسه وعلماه في المجلس وأخذ بدله صح. وإن تفرقا بطل العقد.

لا يجوز تصارف المدينين بجنسين في ذمتهما مثلا لو كان لأحدهما على الآخر دين من الذهب وللآخر عليه دين من الفضة فتصارفا بهما لم يصح.

يصحّ بيع الدين بالعين فيصح صرف دين بأمانة أو بعين مقبوضة في المجلس. مثلا لو كان لأحد على الآخر دراهم فأعطاه بها دنانير أو بالعكس صح. ولو كان القضاء شيئا بعد شيء متفرقا فإن كان يعطيه كل دفعة بحاسبها فتعتبر كل دفعة عقدا صحيحا. وإن لم يفعل ذلك بل تحاسبا أخيرا وتصارفا لم يجز. ويثبت لكل منهما في ذمة الآخر ما قبضه. فإذا أرادا أن يتصارفا بهما لزم إحضار أحد العوضين وتقوم الدراهم بقيمتها يوم القضاء لا يوم الدفع.[17]

المذهب الظاهري

يمكن تلخيص أراء المذهب الظاهري في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والذهب بالفضة على النحو التالي:

فإن كان مع الذهب شيء غيره – سواء أكان من فضة أم غيرها -: ممزوج به، أو مضاف فيه، أو مجموع إليه في دنانير، أو في غيرها: لم يحل بيعه مع ذلك الشيء، ولا دونه بذهب أصلا، لا بأكثر من وزنه ولا بأقل، ولا بمثله، إلا أن يكون الذهب وحده خالصا.

وكذلك إن كان مع الفضة شيء غيرها: كصفر، أو ذهب، أو غير ذلك، ممزوج بها، أو ملصق معها، أو مجموع إليها: لم يحل بيعها مع ذلك الشيء، ولا دونه بفضة أصلا – دراهم كانت أو غير ذلك – لا بأكثر من وزنها، ولا بأقل، ولا بمثل وزنها، إلا أن تكون الفضة وحدها خالصة، سواء في كل ما سنذكر أو ما يشاكله: السيف المحلى، والمصحف المحلى، والخاتم فيه الفص، والحلي فيه الفصوص، أو الفضة المذهبة، أو الدنانير فيها خلط صفر أو فضة، أو الدراهم فيها خلط ما.

وإنما هذا كله إذا ظهر أثر الخلط في شيء مما ذكرنا – وأما ما لم يؤثر ولا ظهر له فيه عين ولا نظر أيضا: فحكمه حكم المحض؛ لأن الأسماء إنما هي موضوعة على حسب الصفات التي بها تنتقل الحدود.

ودليل ذلك: ” أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن لا يباع الذهب والفضة بشيء من نوعهما، إلا عينا بعين، وزنا بوزن، وأن لا يباع شيء من الأصناف الأربعة بشيء من نوعه إلا كيلا بكيل عينا بعين”، فإذا كان في أحد الأنواع المذكورة خلط أو شيء مضاف إليه فلا سبيل إلى بيعه بشيء من نوعه عينا بعين، ولا كيلا بكيل، ولا وزنا بوزن، لأنه لا يقدر على ذلك أصلا.

فإن كان الذهب وشيء آخر غير الفضة معه أو مركب فيه؛ جاز بيعه كما هو مع ما هو معه ودونه بالدراهم يدا بيد، ولا يجوز نسيئة. وكذلك الفضة معها شيء آخر غير الذهب أو مركب فيها، أو هي فيه؛ جاز بيعها مع ما هي معه أو دونه بالدنانير يدا بيد، ولا يجوز نسيئة.

أما الدراهم المنقوشة والدنانير المغشوشة فإنه إن تبايع اثنان بدراهم مغشوشة قد ظهر الغش فيها بدراهم مغشوشة قد ظهر الغش فيها: فهو جائز إذا تعاقدا البيع، على أن الصفر الذي في هذه بالفضة التي في تلك، والفضة التي في هذه بالصفر الذي في تلك: فهذا جائز حلال، سواء تبايعا ذلك متفاضلا، أو متماثلا، أو جزافا بمعلوم، أو جزافا بجزاف، لأن الصفر بالفضة حلال.

وكذلك إن تبايعا دنانير مغشوشة بدنانير مغشوشة قد ظهر الغش في كليهما على هذه الصفة، فإن تبايعا ذهب هذه بفضة تلك وذهب تلك بفضة هذه: فهذا أيضا حلال متماثلا، ومتفاضلا، وجزافا نقدا ولا بد لأنه ذهب بفضة،  فالتفاضل جائز والتناقد فرض.[18]

فإن أخذ دنانير عن دراهم، أو دراهم عن دنانير، يقع فيه الربا المحض. لما ذكرنا قبل من تحريم النبي – صلى الله عليه وسلم – بيع الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والشعير، والملح إلا مثلا بمثل عينا بعين. وإذا كان يدا بيد جاز.

ومن باع ذهبا بذهب بيعا حلالا، أو فضة بفضة كذلك، أو فضة بذهب كذلك، مسكوكا بمثله أو مصوغين، أو مصوغا بمسكوك، أو تبرا أو نقارا(أي القطْعَة المُذابة من الذَّهَبِ والفِضَّةِ). (القاموس المحيط، 2/20)، فوجد أحدهما بما اشترى من ذلك عيبا قبل أن يتفرقا بأبدانهما، وقبل أن يخير أحدهما الآخر. فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء استبدل؛ لأنه لم يتم بينهما بيع بعد.

فإن وجد العيب بعد التفرق بالأبدان، أو بعد التخيير واختار المخير إتمام البيع فإن كان العيب من خلط وجده من غير ما اشترى، لكن كفضة أو صفر في ذهب، أو صفر أو غيره في فضة، فالصفقة كلها مفسوخة، مردودة، كثرت أم قلت، قل ذلك الخلط أم كثر؛ لأنه ليس هو الذي اشترى، ولا الذي عقد عليه الصفقة، فليس هو الذي تراضيا بالعقد عليه وقد تفرقا قبل صحة البيع.

فإن كان العيب في نفس ما اشترى ككسر، أو كان الذهب ناقص القيمة بطبعه، والفضة كذلك، كالذهب الأشقر والأخضر بطبعه. فإن كان اشترط السلامة فالصفقة كلها مفسوخة؛ لأنه وجد غير ما اشترى، فلا يحل له مال غيره مما لم يعقد عليه بيعا. وإن كان لم يشترط السلامة فهو مخير بين إمساك الصفقة كما هي ولا رجوع له بشيء، وإما فسخها كلها.[19]

وقفة على آراء المذاهب في الصرف (تقييم موضوع الصرف)

الشروط السابقة التي وضعتها المذاهب المذكورة وغيرها من المذاهب الفقهية في الصرف، أي في بيع الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم والدينار بالدرهم تعبر عن فهمهم للرّبا. وموضوع الربا مندرج تحت موضوع البيوع عند المذاهب الفقهية كلها. وقد جعلوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم المتعلق ببيع الذهب والفضة محورا أساسيا في موضوع الربا. وقد ذكرنا مآخذ عدة على ذلك في “باب الربا” من هذا الكتاب. لقد ذكرنا سابقا أن الربا والبيع موضوعان مختلفان، أما قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد ورد لمنع باب من الأبواب المؤدية إلى الربا باسم البيع. لأن المرابين في كل عصر يقولون “إنما البيع مثل الربا”.[20] ومن يحمل هذا الفكر فإنّه يرابي ولكن بصورة البيع. قال الله تعالى: “وأحلّ الله البيع وحرم الربا” فمن أكل الربا مباشرة أو احتيالا أصبح متجاوزا حدا من حدود الله تعالى، ألا وهو حرمة الربا. وقد ذكرت سابقا أمثلةً على المعاملة الربوية كالبيع بالوفى والبيع بالإستغلال والمعاملة الشرعية وأثبت أنّ كلّ هذه البيوع لا تخلو من كونها معاملات ربوية ولكنها أجريت بصورة البيع. كما قلت فإن السبب في ذلك هو عدم فهم الأحاديث المتعلقة بالربا فهما صحيحا. بالرغم من أنّ الله تعالى قد فرَّق بين البيع والمعاملة الربوية، فأحلَّ البيع وحرَّمَ الرِّبا. وعلى هذا فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن بعض البيع يشتمل على المعاملة الربوية. وهو ما كان ناتجا من الدين. ومن ضمن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع: «إنما الربا في الدين».[21] «لا ربا إلا في الدين».[22] «إنما الربا في النسيئة».[23] « لاربا إلا في النسيئة».[24]

 وادراج “الربا” تحت موضوع “البيع” من قبل الفقهاء، نظرا للأحاديث المتعلقة بـ “بيع المواد الستة”، كان سببا في وضعهم الشروط المبهمة في مسألة الصرف. لذا كره الإمام مالك؛ أن يدفع الصرافُ للرجلِ الدرهمَ بعد وزن الدينار الذي أخذه منه ووضعه في تابوته.[25] والشافعي لم يجز بيع الدين بدين.[26] والمالكية قالوا بعدم جواز بيع الدَّين بالدَّين حتى لو كانا من جنسين مختلفين.[27] كما ذهب الظاهرية إلى القول بأن أداء الدين الديناري بالدرهم، والدين الدرهمي بالدينار يعتبر ربا. بالرغم أن هذه المعاملة لا تؤدي إلى الربا قط.

ومن الواضح أن الربا لا يكون في الربح الحاصل من البيع. أي أن الربا لا يكون إلا في الدين. فحصوله على 100 ليرة ليعيدها بعد شهر واحد 110 ليرات هو ربا. لأن البدل يختلف في البيع. وفي البيع يختلف البدلان كمبادلة 120 رغف خبز بـ 100 ليرة، أحد البدلين الخبز والآخر 100 ليرة. وقد رضي الطرفان بهذه المبادلة بسبب اختلاف البدلين. ولكن في الربا كان مبادلة 100 ليرة بـ 100 ليرة من نفس النوع وزيد لأحد البدلين 10 ليرات خالية عن العوض، وهذه الزيادة بلا عوض ربا. لأن الربا اسم لما هو زائد. وقد ذكرنا هذا الموضوع مستفيضا تحت عنوان “الربا” من هذا الكتاب.



[1]  سنن ابن ماجه ، التجارة 50، رقم الحديث 2261.

[2]  صحيح البخاري، البيوع 78؛ وصحيح مسلم،  المساقات 75 (1584).

[3]  صحيح مسلم، المساقات 84 (1588).

[4]  صحيح البخاري، البيوع 77.

[5]  صحيح مسلم، المساقات  78.

[6]  صحيح مسلم، المساقات  85.

[7]  سنن النسائي،  البيوع 51.

[8]  أبو داود، البيوع والتجارة 12 رقم الحديث 3349؛ سنن النسائي، البيوع 44.

[9]  أبو داود، البيوع والتجارة 12 رقم الحديث 3349؛ سنن النسائي، البيوع 44.

[10]  بو داود، البيوع والتجارة 14رقم الحديث 3354؛ سنن النسائي، البيوع 50.

[11]  صحيح البخاري، البيوع 76.

[12]  صحيح مسلم، المساقاة 90.

[13]  صحيح مسلم، المساقاة 92.

[14]  الدر المختار – جـ. 7 /  صـ. 257 – 272. بالتصرف.

[15]  حواشي التحفة، جـ. 4/  صـ. 279.

[16]  المقدمات لإبن الرشد، جـ. 3/  صـ. 60-67. بالتصرف.

[17]  مجلة الأحكام الشرعية لأحمد بن عبد الله القاري، صـ. 191-193. جدة.

[18] المحلى بالآثار لابن حزم الأندلسي،جـ. 7 /   صـ. 439-446.

[19]  المحلى بالآثار لابن حزم الأندلسي،جـ. 7 /   صـ. 160.

[20]  البقرة، 2 /  275.

[21] سنن الدارمي ، البيوع / 42.

[22] صحيح مسلم، مساقات، 1033 (596).

[23] صحيح مسلم، مساقات، 102 (1596)؛ سنن النسائي، البيوع، 50.

[24] صحيح البخاري، اليوع، 70. مساقات، 101 (1596).

[25]   المدونة الكبرى، ج. 3 /  صـ. 396-397.

[26]  نصب الراية لأحاديث الهداية، د. 4 /  صـ. 40، القاهرة – سنة 1357.

[27] مجلة الأحكام الشرعية لأحمد بن عبد الله القاري، صـ. 191-193. جدة.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 5.364 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع