التضخم في الديون

التضخم في الديون

أكثر الكتب الفقهية قد ألفت في العصور التي كانت فيها الدراهيم والدنانير هي النقود المتداولة. يوجد بينها وبين النقود الورقية فرق كبير. إحداهما ذات الثمنية في أنحاء العالم كلها بسبب كونها ذهبا أو فضة. أما الآخر تصبح ذات الثمنية بسبب السلطة السياسية وبقولها الناس نقودا يتداولون بينهم. وكونها ذت الثمنية خارج حدود الدولة متعلقة بنفوذ الدولة وعلاقتها الدولية وكذلك قبول الناس.

في البداية كان رصيدا للنقود الورقية من الذهب والفضة جزئيا أو كليا وإذا لم يكون الرصيد يتعهد بالدفع في موعد لاحق. وهذا كان يحدد مقدار النقود الورقية. أما النقود الورقية اليوم لا رصيد لها من الذهب ولا من الفضة. وليست الخزانة أو المصارف المركزية ملزمة بالدفع ما يعادل من الذهب أو الفضة للنقود الورقية التي تعاد إليها. لذا ليست لها ثمنية غير ثمنية اعتبارية. وتفقد ثمنيتها تماما بالغائها عن التداول من قبل السلطة المعنية.

  1. 1. الخصائص التضخمية للنقود الورقية

النقود لا تسد الاحتياجات مباشرة. فالنقود لا تأكل ولا تشرب. ولكنها من أهم الوسائل في سد الاحتياجات.

النقود هي مقياس استحقاق. وبها تحدد الرواتب والإيجار والديون والغرامات المالية والتعويضات في معظم الأوقات.وينال النقود من الاحترام بمعدل المحافظة على قيمتها. والنقود التي لا تحافظ على قيمتها تؤدي إلى عدم التوازن الإقتصادي والظلم فيبتعد الناس عنها.كل واحد يحاول أن يبدلها ما هي أكثر حفاظا لقيمتها من النقود. ومن أجل ذلك قيل “أن النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة “. والنقود التي فقدت نقصت قيمتها تزداد سرعة التداول. وكلما ازدادت سرعة التداول للنقود زادت في نقص قيمتها.

ولا يحدث التغير في الأسعار  عموما إذا كان معدل ارتفاع النقود مساويا مع معدل ارتفاع السلع والخدمات. ولكن إذا زاد معدل الواحد في الارتفاع عن الآخر فيزداد قيمة ما هو أقل.

وليس من السهل رفع معدل الانتاج في السلع والخدمات. فلا بد في ذلك من الموظفين المدربين والمواد الخام والمواد المصنعة ونصف المصنعة والبناء ، والمرتبات والمعدات والطاقة وكذلك الوقت الوافر لانجاو مشروع ما. أما رفع معدل الانتاج في النقود الورقية فليس صعبا. فلا يلزم فيها من الوسائل اللازمة في انتاج السلع والخدمات. غاية ما يكون فيه من العمل هو ضبط جهاز الطباعة وضافة الأصفار إلى الأرقام الموجود على بنكنوت (النقود الورقية).

وحين كنت تشتري بـ 100 ليرة 10 أقلام فتشتري أقل منها إذا زاد معد الانتاج في النقود الورقية. فكثرة النقود في الأسواق ينعكس عليك بقلتها. لأنه كلما زاد مقدار النقود قل قيمتها.

ولا تحدث هذه الحالة في العملة المعدنية. لأن تضرب العملة المعدينية حسب الضهب الموجود أو الفضة الموجودة. كما أن ثمنية الذهب والفضة وزن وقيراط. فالعملتين اللتين ضربت إحداهما في أغنى دولة من دول العالم والثانية في أفقرها فهما مستويان في الثمنية.

وتكون العملة الوطنية تحت سيطرة الحكومة والعملة الأجنبية تكون تحت سيطرة الدول العظمى. والحكومات والدول العظمى اليوم قد دخلت تحت سيطرة الأغنياء في ظل نظم العملة والإئتمان.

في كثير من دول العالم تملك فيها الأحزاب السياسية ديموقراطية. فيمكن للحزب الحاكم  أن ينقل أموال الدولة إلى مؤيديه حسب القدرة تحت أسماء مختلفة ويصلون إلى درجة من الغناء التي لا يستحقونها في العادة. كما أن الأغنياء المؤيدين للحزب الحاكم ينتهزون الفرص المتاحة لدى الدولة في زيادة ثرواتهم. ومن أجل ذلك نرى أصحاب الثروات والاعلام يؤيدون الحكومة أو الحزب المرشح للحكم.

والدولة القوية التي توفر لعملتها إمكانية التداول في جميع أنحاء العالم، تستطيع أن تشتري السلع والبضائع التي تريد من أي دولة تريد مقابل لفيفة من الورقة على أنها عملة. وهي تفسد التوازن بإقامة مجمعوعة مؤيدة لها في في أماكنة مختلفة. تؤيد دولة وتكون عدوا لأخرى. وفي نهاية المطاف فهي تسعى للسيطرة على مصاليح الناس جميعا، ليصبحوا عبدة لها.

وخلاصة القول أن العملة الورقية قد أخجت العملة من أن تكون مقياس الاستحقاق وأصبحت وسيلة أساسية للظلم والقهر. والذي يقعد على منابيع العملات أصبح يسيطر على الناس وعلى الدولة، ولم يبق هناك أي توازن بين الأموال والخدمات وبين الأسعار. كما أصبح الناس ينفر من العملات الورقية ولكن لا يمكن لهم تركها لعدم بديل لها.

فهاهي الأسباب الساسية للتضخم وفساد التوازن. فلا بد أن تترك هذا النظام. وأن تقام العلاقات الحقوقية والاقتصادية حسب حصائص تلك العمللات حتى تنشأ نظام العملات الجديدة. وهو يتطلب إجراء التغيرات اللازمة في القانون.

  1. 2. التكافؤ في أداء الدين

المبدئ الأصلية في أداء الدين، أن يكون الأداء بما يعادل الديون. ويطلق عليه اسم المماثلة. وهو مبدئ شمولي. لأنه لا يرضى أي واحد لا يتنازل من حقه إلا بالحق. وكان يتحقق المماثلة بمقاييس ثلاثة؛ الوزن والكيل والعدد. وعلى مدين بـ 100 جرام من الذهب أن يؤدي بـ 100 جرام من الذهب بنفس القيراط. والمدين بالقمح يؤدي دينه بالكيل، والمدين بالبيض يؤدي بالعدد. وما زاد على هذا المقياس فهو ربا. لأن المرابي بالدين يأخذ الفضل عن معادلة الدين، فعلى هذا يقبل أن يبقى الدين عند المدين فترة من الزمن.

يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء، 4/ 29). وعلى هذا فإن المدين الذي نقص في الأداء يعتبر أنه قد تعدى حق الدائن، وكذلك من يجبر على الفضل في الأداء يكون مظلوما.

وقد أصبحت العملات الورقية كأموال عددي على أساس أنه مسجل عليها الأرقام. لذا من يدين 100 دولار أمريكي يعتبر قد أدى دينه إذا دفع 100 دولار أمركيبدون أن ينظر إلى ما اعترى فيه من التغيير في قيمته في فترة الدين. والحقيقة أن العملات الورقية ليست من الأموال العددية. والأموال العددية هي الأموال الحقيقية كالبيض والجوز والبضائع المتعارفة عليها في الأسواق التي لا توجد في وحداتها القياسية خلاف كبير.

ولو كان العملات الورقية مالا عدديا لكان بنكنوت بقيمة دولار واحد متساويا  مع بنكنوت بقيمة  100 دلار في الثمنية لأنهما متساويان في الحجم. وكذلك اختلاف 100 الليرة مع 100 الدولار  في الثمنية ليس مرتبطا بمادتهما.

والعملات الورقية نوع من السند. يمكن الشراء بها كثير ا من البضائع من الأسواق. فيمكن الشراء بـ 100 ليرة اليوم مثلا؛ 10 كلو من السكر، 6 كلو من اللحم، 120بيضة، 40 خبزا. ولكن هذه البضائع المبتاعة بـ 100 ليرة قد يصبح بعد 6 أشهر 9.5 كلو من الجبن، و5.7 كلو من اللحم و114 بيضة، و38 خبزا. لأن 100 ليرة قد فقدت قدرا من قيمتها.

ولابد من إعستبار العملات الورقية من الأموال المماثلة. والأموال مماثلة هي ما يقوم بها المعاملة وزنا أو كيلا أو عددا، والعملات الورقية ليست منها. فالوحدة القياسية في العملات الورقية هي قوتها في التداول.

والمعملة التي اجريت بالعملات الوقية تعتمدعلى قوتها في التداول. وحين تخرج للتسوق بـ 100 ليرى تركية و 100 دولار أمري و 100 يورو كل واحد ينظر إليها حسب قوتها في التداول. ولكن لو أن تلك العملات كانت درهما أو دينارا كان وزنها و قيراتها هي الأساس بقطع النظر من كونها قد ضربت في تركيا أو ألمانيا أو أمريكا. لأن قوة التداول في العملات الورقية هي الأساس فليكون في اداء الدين كذلك. ولا طريق لآخر لأدء الدين من العملات الورقية بمثلها. ونذكر مثالا على هذا مما جرت في الحياة اليومية للناس.

استدان شخص من أبي 450 ليرة تركية ولم يسد دينه حتى شهر التاسع من سنة  2000 الذي  بدأت فيه بكتابة هذا البحث. وقد كان في ذلك الوقت اصغر العملات الورقية  رقما 10.000 ليرة تركية. وكان يمكن أن يشترى ألبانا بـ 25.000 ليرة. مع أنه يمكن شراء بـ 450 ليرة 75 جراما من الذهب سنة 1950.  لأن سعر جرام من الذهب 24 قيراط في ذلك الوقت كان 6 ليرات.

والقوانين الموجودة اليوم تقبل الدين على أنه 450 ليرة تركية. وحين أقرض أبي لم يبين يوم الذي يسد فيه الدين ولا أي شرط من الشروط المتعلقة للدين. ولو كان الدين 75 جراما من الذهب أو 100 كلو من القمح أو شيء آخر من غير  العملاات الورقية 450 ليرة تركية حينذاك. كان من المفروض أداء عين المقروض بدون النظر إلى سعرها إرتفاعا أو نزولا. فلا يكون فيه ظلم. ولكن الدين كان 450 ليرة تركية. وهي ليست من الأموال الكوزنة مثل الذهب ولا من الأموال المكيلة مثل القمح ولا من الأموال المعدودة مثل البيضة. فالوحدة القياسية الوحيدة فيها هي قوتها في التداول. وقد أصبح في تركيا عام 2000 أن 450 ليرة لا تحمل أي قيمة ثمنية. ولا توجد نقود مثلها. والقول أن الدين 450 ليرة هو بمثابة تقديم الجائزة للمدين المماطل عن الأداء. ولو كان الأداء حسب قيمة النقود يوم الاستدان فلم يتضرر الدائن.

وقد نص القرار الرابع للمجمع الفقه الإسلامي على النحو التالي:

“الدين من النقود الورقية،  يُدْفَع بالمثل وليس بالقيمة، لأن الدين يؤدى بالمثل. ولا يجوز ربط الدين بالأسعار بأي سبب من الأسباب”.

وهذا القرار  ليس صحيحا. وهو أن يكون هكذا: “الدين يؤدى بأمثاله. والمماثلة فيالنقود الورقية هي قوتها في التداول. أي يعرف بقيمتها. لذا يجب الأداء في الدين من النقود الورقية بما يعاجل قيمته.

  1. 3. الأدلة

يجب دفع القيمة في الدين من النقود الورقية الأدلة على ذلك كالتالي:

قال الله تعالى:  «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» (النساء، 4/ 29).

والذي يؤدي دينه بدون النظر إلى التغير في قيمة النقود الورقية قد كسب عن طريق غير مشروع بأخذ ما فقد النقود من قيمتها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” فأداء الدين بنفس الرقم مع فقدان قيمتها بالتضخم على مر الزمن إضرار على الدائن.

أ‌. المصلحة العامة

دفع ما فقد النقود من قيمتها هو من أجل المصلحة العامة. وإلا لا يقرض أحد لأحد. كما أن المدين يحاول أن يماطل في الأداء لينتهز انخفاض قيمة النقود. والتعاون بالاقراض لمن هو في حاجة أمر مرغوب فيه. ولكن المماطلة في اداء بدون سبب يتسبب لفساد كبير.

ب‌. فرق التضخم والربا

وقد أحل الله اليع وحرم الربا.[1] وقال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» (البقرة، 2/ 278-279).

الطريق الوحيد في أداء الدين من النقود الورقية بدون زيادة ولا نقصان هواعتبار القيمة في الدين من النقود الورقية، وبهذا يمكن تحقيق التعادل بين النقود المقروضة والنقود المؤداة للدين.  لأن التعادل في النقود الورقية يتححق بهذا الطريق. فلا بد من تغيير القوانين المتعلقة بهذا الأمر؛ أي أن تكون تداول النقود الورقية حسب قوتها في الشراء وليس حسب الأرقام المسجلة عليها. عندئذ يمكن منع الظلم الناتج عنها على حد كبير.

ت‌. تطبيق على انخفاض القيمة

وقد طبع العثمانيون النقود الورقية مقابل الذهب. وقد انخفض قيمة تلك النقود المسماة بـ “القائمة” على مر الزمن. وقد أصدر امرا من قبل السلط 13 من الربيع الأول سنة 1298 على وجوب اعتبار الانخفاض من قيمة النقود المستدنة حين سدها، ولكن هذا الأمر لم يشمل جميع الديون. ونص الأمر كالتالي:

والقروض بالقائمة من صناديق الأيتام وما بقي في ذمة المشتري في الشراء يكون الدفع فيها حسب قيمتها التداولية بالذهب والصكة.[2]

ث‌. طريق حساب النخفاض في قيمة النقود الورقية

يمكن أن يحسب انخفاض القيمة للنقود الورقية حسب قيمة الذهب والفضة مع معدل التضخم. قد أصبح اليوم الذهب والفضة بعيدة عن كونها مالا (نقودا) وهما تعتبران اليوم سلعتين من السلع الأخرى المتبادلة في الأسواق. فيرتفع سعرها حينا وينزل حينا آخر. على سبيل المثال في الشهر الأوائل من السنة 1980 أن سعر أوقية من الذهب كان 850 دولاران[3] وقد نزل في شهر مارت من السنة 1982 إلى 335.5 دولار.[4] ونلاحظ مما سبق أن قيمة الدولار  قد انخفضت في غضون عامين مقابل الذهب، وكذلك من القرر انخفضا قيمة الذهب على قدر كبير. إلا أن تقلب أسعار الذهب في سوق الأسهم واخفاض قيمته يحدث غالبا في المدى القصير. يمكن للذهب أن يحتفظ قيمتها على المدى الطويل. وطالما أمكن الاجتناب عن الضرر الناتج من انخفاض قيمة النقود بسبب التضخم لو اعتبرنا قيمة الذهب في المعاملات.

ومن الصعب تحديد معدل التضخم مع أن أنسب الطريق في حساب انخفاض قيمة النقود هو اعتبار معدل التضخم.

والطريق الثالث، هو اعتبار العملة الأجنبية الرائجة في الأسواق. ويعتري عليهاالتضخم والأزمات الإقتصادية وفقا للتيارات العامة التي تحدث في الأسواق الدولية؛ لأنها عملة ورقية.

ومن الصعب وضع مبدإ شامل يمكن التطبيق في كل مكان وزمان. فلا بد من وضع مبدإ يلائم لشروط وظروف المنطقة.

ولا يشترط الاتفاق في لدفع ما انخفض من قيمة النقود. لأنه حق، ولكن من الممكن أن يختلف فيه  التطبيق حسب خصائص الدين.

سد الدين، يكون على ما كان قيمته في يوم الاستدان. لأنه لا يتحقق المماثلة إلا بها. وبهذا لم يكن المدين رابحا عن طريق غير مشروع، وكذلك لم يتضرر الدائن.

والذي ابتاع بضاعة في فترة كان التضخم فيها في سيره العادي ولم يسد دينه في الوقت المحدد ، فعلى المدين دفع ما انخفض من قيمة النقود من اليوم المحدد للدفع. لأن من يحدد السعر المؤجل يأخذ في عين الاعتبار الانخفاض الذي يعتري على قيمة النقود منذ عقد البيع حتى يحل وقت الدفع. ولكن إذا ارتفع معدل التضخم فوق العادة أي على شكل غير متوقع فمن العادة اعتبار هذا الارتفاع في البيع الحالي، لذا يجب على المدين دفع ما انخفض من قيمة النقود بسبب التضخ. وعلى سبيل المثال لو ارتفع معدل التضخم من 5% إلى 10%، ففي هذه الحالة يطلب من المدين معدل القيمة المنخفضة وهي 5%.

وينخفض قوة النقود (الرواتب) في الشراء كلما انخفض قيمة النقود، لذا يجب أن يزاد في الرواتب حسب انخفاض قيمة النقود.  ومن الضروري زيادة الأجر والرواتب بانخفاض قيمة النقود. وهذه الحالة تنطبق على البيع المؤجل. أي فلا يطلب الزيادة إذا كان معدل ارتفاع التضخم على سيره العادي تم دفع الأجر في وقتها المحددة. ولكن إذا ارتفع التضخم على شكل غير متوقع فيطلب الزيادة في دفع الايجار حسب معدل التضخم.

ج‌. آراء الفقهاء

سد الديون بمثله شرط أساسي. ولكن يجب أحينا سدها بالقيمة. وإليكم آراء الفقهاء في ذلك.

  1. 1. سد الديون بمثله

ينقسم المال إلى قسمين: مثلي وقيمي. والأموال المثلية هي ما توجد مثلها في الأسواق بدون فروق كثيرة في القيمة. مثل الذهب والفضة والشعير والقمح والملابس المصنوعة في المصنع المعين على المقاييس المعينة. والأموال القيمية هي ما لا توجد مثلها في الأسواق أو توجد فروق بينها في حالة وجودها. مثل الكتب المستنسخة والمصنوعات اليدوية والحيوانات. والشيء الذي يستدان يستهلك ثم يعاد بمثله. والأموال التي يؤخذ للاستفادة منها لمدة معينة ليست بدين بل هي عارية.

والأموال القيمية والأموال التي توجد الفرق بين وحداتها لا يجوز فيها التداين باتحالة وجود مثلها لأن الدين يجيب الاعادة بالمثل.[5] والدين يستهلك ويدفع مكانه مثله. وما يؤخذ للاستفادة منها عرية وليس دينا. مثل القدوم والمنشار وما شابه ذلك.

وعلى المذهب الحنبلي والشافعي يجب اعادة الدين بالمثل بدون النظر إلى تغير قيمته. ولا تتغير النتيجة التغير ولو انخفض قيمته انخفاضا كبير حتى ما بقي له قيمة إلا قليل. لأن الأصل في الدين هو الأداء بالمثل.[6]

وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وله لو أن شخصا استدان كلو من القمح في زمن القحط فعليه أن يؤديه بالمثل حتى ولو كان الأداء في زمن الخصب. لأن مقدار الدين كان كلو من القمح لا غير. أما الأسعار لا دخل لها في الدين بخصوص الطرفين.[7]

وجميع المذاهب متفقون على أن الدين إذا كان درهما أو دينارا يكون الأداء بالمثل، وأن الفضل ربا. ولكن يوجد الخلاف بين المذاهب إذا كان الدين في الفلس[8] والمغشوش.[9]

إذا انخفض قيمة الفلس والنقود المغشوشة فعند أبي حنيفة يكون الأداء بالمثل بدون أي تبديل. وبه قال أبو يوسف ولكن روي أن أبا يوسف غيره رأيه كما يأتي بعد قليل…

أما الشافعية يعتبر الفلس عروضا كباقي العروض التجارية. فالفلس عندهم بدل المبضاعة كما أن الأموال تكون بدلا في قيمة الأموال الأخرى في المبادلة. لذا يجب الأداء في الفلس بالمثل حتى ولو تكن رائجا. أي بعد خرجه عن التداول.[10]

وعند المالكي الفلوس مثليات تضمن بمثلها عني أن الشخص إذا ترتب له على آخر فلوس أو نقد من قرض أو غيره ثم قطع التعامل بها أو تغيرت من حالة إلى أخرى.[11]

وقول الحنابل التالي أكثر وضوحا:

انخفاض قيمة النقود ليس مانعا في الأداء سواءا كان الانخفاض كثيرا أو قليلا. وعلى سبيل المثال؛ إذا كان 10 من الأموال العددي يشترى بدانق فأصبح 20 بدنق أو كان انخفاض القيمة أكثر من ذلك لا يتغير شيء في الأداء. أي يكون الأداء على كل حال بالمثل. لأن النقود لم يحدث فيه أي التغير. وهو يشبه ارتفاع سعر القمح المستدان او نزوله.[12]

ب. أداء الدين بالقيمة

وقد اتفق جميع المذاهب على جواز أداء الدين بالقيمة. ولك كل منهم ينظر إلى الموضوع من زوايا أخرى. لذا نود أن نقف على كل مذهب على حدة..

  1. 1. المذهب الحنفي

قال أبو يوسف من علماء الأحناف لأوأن الشخص استدان كلو من القمح في وقت القحط ووالأسعار غالية ثم الأداء بالمثل في زمن الخصب والأسعار رخيصة تحقق بذلك ظلم. ولمنع الظلم يجب الأداء بالقيمة من الجنس الآخر.

والمبدأ عند أبي يوسف: قيمة الأموال المثلية المقترضة يجب الأداء بالقية في يوم الاقراض إذا زاد أو نقص بارتفاع الأسعار أو بأسباب أخرى.[13]

وعند أبي يوسف إذا تم المبايعة أو الاقراض بالفلس أو المغشوش ثم انخفض من قيمتهما أو رتفع فعلى المدين الأداء بالقيمة يوم المبايعة أو الاقراض.[14] وقول أبي يوسف هذا هو المفتى به في المذهب الحنفي.[15] وقد جاء في الفتاوى التتارخانية عن أبي يوسف أنه جوز للبائع الفسخ إذا انخفض قيمة النقود.

وجاء في الفتاوى البزازية أن الايجار كالبيع والدين، ودفع الزوج المهر المؤجل يكون بالقيمة في يوم عقد النكاح.[16]

  1. 2. المذهب الحنبلي

ذهب المذهب الحنبلي إلى “أن المستقرض يرد المثل في المثليات، سواء رخص سعره أو غلا، أو كان بحاله. ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه، فرده من غير عيب يحدث فيه، لزم قبوله، سواء تغير سعره أو لم يتغير. وإن حدث به عيب، لم يلزمه قبوله. وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة، فحرمها السلطان، وتركت المعاملة بها، كان للمقرض قيمتها، ولم يلزمه قبولها، سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها؛ لأنها تعيبت في ملكه”.[17]

  1. 3. المذهب المالكي

رأي المذهب المالكي قريب من رأي المذهب الحنبلي. إلا أن المذهب المالكي اشترط في الأداء بالقيمة استحالة وجود النقود القديمة. وإذا وجدت من النقود القديمة فيجب الأداء منها. أن الأصل في ذوات الأمثال القضاء بالمثل والقيمة كالفرع فلا يعدل إليها مع إمكان الأصل. وتعتبر قيمتها وقت أبعد الأجلين عند تخالف الوقتين من العدم والاستحقاق. فلو كان انقطاع التعامل بها أو تغيرها أول الشهر الفلاني، وإنما حل الأجل آخره فالقيمة آخره. وبالعكس بأن حل الأجل أوله وعدمت آخره فالقيمة يوم العدم ولو أخره أجلا ثانيا، وقد عدمت عند الأجل الأول فالقيمة عند الأجل الأول؛ لأن التأخير الثاني إنما كان بالقيمة.

وبعبارة ولو أخره بها بعد حلول أجلها وقبل عدمها ثم عدمت في أثناء أجل التأخير فإنه يلزمه قيمتها عند حلول أجل التأخير. وإذا تأخر عدمها عن الأجل الثاني أن قيمتها تعتبر يوم عدمها. وهذا مقيد بما إذا لم يحصل من المدين مطل وإلا وجب عليه مال إليه أي من المعاملة الجديدة لا القيمة لأنه ظالم.[18]

  1. 4. المذهب الشافعي

ويقبل المذهب الشافعي أداء الدين بالقيمة. و إذا انخفض قيمة المال المثلي المقروض يلزم دفع القيمة في يوم الاقراض. وعلى سبيل المثال: لو ان شخصا اغتصب ماء لشخص آخر في الصحراء حيث الماء ذا قيمة؛ ثم أراد إعادة الماء بالمثل في مكان كثر فيه الماء أو عند النهر فلا يقبل. عليه دفع قيمة الماء في الصحراء.[19]

وجاء في المذهب الشافعي ما ينطبق قول أبي يوسف بـ “قيل” أنه إذا تم المبايعة أو الاقراض بالفلس أو المغشوش ثم انخفض من قيمتهما أو رتفع فعلى المدين الأداء بالقيمة يوم المبايعة أو الاقراض.[20]

وهناك قول آخر للشافعي في هذا الموضوع وهو:

أن للمشتري خيار في رد المبيع بظهور عيب قديم فيه وكذا للبائع بظهور عيب قديم في الثمن. وهو أي القديم ما قارن العقد أو حدث قبل القبض وقد بقي إلى الفسخ إجماعا. وآثروا الأول (ظهور العيب في المبيع) لأن الغالب في الثمن الانضباط فيقل ظهور العيب فيه. وهذا يمكن أن يكون صحيحا في عهدهم. وقالو فيما يتعلق بالثمن:

الثمن معين أو هو يكون في الذمة. وإن كان معينا ورده انفسخ العقد، وإن كان في الذمة لا ينفسخ العقد وله بدله.[21]

والعيب عند ااشافعي، هو فوات وصف يزيد في قيمته ومخالفا للقصد. وشرطه عدم وجوده في هذا المال. ولا فرق فيما إذا قارن العيب العقد أو حدث قبل القبض.[22]

وعلى هذا هل يمكن القول بأن النضخم يعتبر عيبا؟

ينقسم التضخم حسب سرعة الارتفاع إلى ثلاثة أقسام:

  1. التضخم المجهول أو الزاحف. في هذه الحالة يكون التضخم بطيئا.
  2. التضخم المزمن. في هذه الحالة يكون التضخم سريعا متوازنا ويستمر أطول مدة.
  3. التضخم المفرط.

وفي المذهب الشافعي لا يمكن اعتبار التضخم المجهول عبيا في نظام النقود الورقية، لأن التضخم فيه يعتبر مرضا لا مفر منه. فعلى البائع  تحمل النتائج لأنه يبيع في العادة وهو على علم بحالة التضخم. ولكن يبدو مناسبا دفع الخسارة الناتجة من المماطلة من يومه المحدد للدفع. لأنه انخفاض قيمة يمنع من تحقيق الغرض.

وبناءا على التعريف السابق يلزم اعتبار التضخم المفرط عيبا في النقود، فعلى المدين دفع الخسارة الناتجة من انخفاض القيمة فوق العادة (فوق الستهلاك العادي).

ونعرف مما سبق أن كل المذاهب يشترط أن يكون الأداء في الدين بالمثل وهو الأصل ويكون بالقيمة إذا تتطلب الأمر ذلك. وبهذا قد انضم مصطلح “القيمة” إلى المصطلحات الأخرى التي يوفر المثلية في الأموال المثلية.  ونعني من المصطلحات الأخرى الوزن والكيل والعدد.

ويعتبر القيمة هي الأصل في جميع المعاملات التي تجرى بالنقود الورقية. فيعتبر القيمة في سداد الدين إذا كان بالنقود الورقية. لأنه ما من طريق في سداد الدين بالنقود الورقية بالمثل إلا أن يكون بالقيمة. أي أن المثلية في النقود الورقية هي في القيمة لا غير. فـ 100 ليرة الحالية ليس كمثل 100 ليرة قبل سنة إلا بالأرقام المسجلة عليها التي لا قيمة لها. وهذا الرأي ينطبق آراء كل المذاهب ومبادئهم وهوعين العدالة فيظلم أحد ولا يظلم.

قال الله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» (البقرة، 2/ 279).


[1] أنظر ورة البقرة الآية 275.

[2] زيل الدستور1 صـ 2 استانبول سنة 1298.

[3] Günaydın Gazetesi, İstanbul Baskısı, Şubat 1982.

[4] Günaydın Gazetesi, İstanbul Baskısı, 9 Mart 1982.

[5] درر المختار لتيمور تاشي، المطبعة العامرة، جـ. 5، صـ . 161. (القرض)

[6] النحفة لابن الحجر، جـ. 6 /  صـ. 21؛ المغني لاعبد الله بن قدامة – يروت، 1404 /  1984، جـ . 4 /  صـ. 396.

[7] قاموس الحقوق الإسلامية لعمر نصوحي بلمن، جـ . 4 /  صـ. 96.

[8] الفلس هو النقود المعدنية المضروبة من غير الذهب والفضة.

[9] المغشوش هو النقود المضروبة من الذهب المختلط بالمعادن الأخرى أو الفضة المختلطة بالمعادن الأخرى.

[10] النحفة لابن الحجر، جـ . 4 /  صـ. 256.

[11] الخرشي، جـ. 5/ صـ 55.

[12] المغني لابن قدامة، بيروت – 1404 /  1984 ، جـ . 4/ صـ . 396.

[13] قاموس الحقوق الإسلامية لعمر نصوحي بلمن، جـ. 4 /  صـ. 96.

[14] الفتاوى البزازية لمحمد بن محمد الكردري، (على هامش الفتاوى الهندية، جـ. 17) مصر جـ. 1 /  صـ. 510.

[15] الفتاوى البزازية لمحمد بن محمد الكردري، (على هامش الفتاوى الهندية، جـ. 17) مصر جـ. 1 /  صـ. 510.

[16] تنبيه الركود على مسائل النقود لابن العابدين سوريا 1301.

[17] المغني لابن قدامة، جـ. 4 /  صـ. 396.

[18] الخرشي، جـ. 5/  صـ. 55.

[19] أنظر، تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر، جـ. 6 /  صـ. 21 (أنظر، تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر، جـ. 5 /  صـ. 45.).

[20] أنظر، تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر، جـ. 5 /  صـ. 45.

[21] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج جـ. 4 /  صـ. 25.

[22] أنظر، تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر، جـ. 4 /  صـ. 357-358.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول:  imp source

    معلومات قيمة نريد المزيد منها

  2. يقول:  odszkodowanie w uk

    موضوع جميل ولكم جزيل الشكر واتمنى لكم التوفيق

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.514 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع