أ. تفسير القرآن بالقرآن
حبل الله > أصولنا > التفسير تاريخ النشر: 29/09/2009 Tavsiye Et Yazdır

أ. تفسير القرآن بالقرآن

قال الله تعالى: «الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (هود، 11/1).

القرآن الكريم مبين بنفسه، وقد وضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم بسنته أي بتطبيقه ما أوحي إليه بين المؤمنين . وبين لنا القرآن الكريم كيفية الإستفادة من الكتب السماوية السابقة. كما أن الآيات التي تلفت النظر إلى العلاقة بين الإسلام والفطرة تدل على أهمية الفطرة في فهم القرآن الكريم. كما أن للغة العربية أهمية كبرى لأن القرآن الكريم نزل باللغة العربية. فبهذا المنهج يمكن الوصول إلى فهم القرآن الكريم فهما صحيحا.

المحكم: ما أحكم من الكلام، ولا يحتمل شبهة في اللفظ ولا في المعنى. فالآيات المحكمة مبينة من الله تعالى، فتكون هي المفسرة للآيات الأخرى. وعلى هذا تنقسم آيات القرآن الكريم إلى آيات محكمات وأخرى مفصلات (متشابهات). والآية التي تتحدث عن هذا الموضوع هي قوله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ..» (الزمر، 39/23).

المتشابه: يطلق على شيئين بينهما التشابه. ومَّثَانِيَ  جمع مثنى أو مُثنى أو مثن. فآيات القرآن يتشابه بعضها ببعض وتتكرر على شكل المثاني. وهذا يدل على وجود التشابه والعلاقات الثنائية بين كثير من الآيات، والآيات المتشابهات لا يسهل فهمها على كل إنسان. يقول الله تعالى: «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (فصلت، 41/3).

«قوم يعلمون» هم الذين يجدون المناسبات بين الآيات المتشابهات، والقوم: جماعة الرجال في الأصل دون النساء. وفي القرآن يراد به الرجال والنساء جميعا.[1]  وكون القرآن عربيا يتطلب أن يكون في القوم من يعرف اللغة العربية إلى درجة الإمتياز والتفوق . كما تدل على ذلك الآية «الراسخون  في العلم» أي: أنهم قد بلغوا من العلم إلى درجة الثبات. قال الله تعالى: «هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ» (آل عمران، 3/7).

التأويل: من الأول، أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه. والموضوع الأصلي المستهدف من الآيات المتشابهات هو الآيات المحكمات. والذي أول المتشابهات هو الله تعالى بإرجعها بالروابط والمناسبات إلى المحكمات، والمحكمات إلى المتشابهات وَأما الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فيبحثون عنها و يجدونها ولذا  قال الله تعالى: ” وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ “.

«فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ» أي أنهم لا يراعون المناسبات والعلاقة الثنائية بين الآيات ويُؤوِّلونها على حسب هواهم بنية ايقاع الفتنة بين المسلمين.

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ربما أخطأوا في إقامة العلاقة وفهم المناسبات بين الآيات ولكن نيتهم حسنة، وهم ليسوا ممن ذمهم الله تعالى في الآية السابقة, لأنهم لا يبتغون الفتنة ولا يؤولون الآيات على حسب هواهم.

وهم “يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا” أي: الله الذي أنزل الآيات منها محكمات وأخر متشابهات هو الذي أول بعضها ببعض، أي: أرجع بعضها إلى بعض حيث ربط بينها بالمناسبات والعلاقات الثنائية ونحن نحاول ونبذل الجهد لنجد الروابط التي أقامها الله تعالى بين الآيات.

والذي لا يفهم المناسبات والعلاقات الثنائية أعطى لكلمة المتشابه، والمثاني معنى يخالف المراد، فأُوِّلَ كثير من الآيات تأويلا خاطئًا فجرّت هذه التأويلات الخاطئة كثيرا من المؤسسات الإسلامية إلى الصعوبات وبالتالي إلى طريق مسدود. وعلى سبيل المثال؛ موضوع الطلاق، والنكاح، والولاية في النكاح، والربا قد أخذ نصيبه الوافر من التأويلات المحرفة. كما يوجد آيات كثيرة لم تفسر أو فسرت تفسيرا يخالف المعنى المراد. كما نجد ذلك في تفسير قوله تعالى: “سمعنا وعصينا” والآية الخامسة عشر من سورة الحج؛ وهي قوله تعالى: «مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ».

وعدم رؤية الإنسجام والتناسق بين القرآن والسنة النبوية هو من غياب المناسبات والروابط والعلاقة الثنائية بين الآيات. وكثير من العلماء عدوا السنة النبوية مصدرا ثانيا مستقلا للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، فازداد بذلك انقطاع الروابط بين القرآن والسنة النبوية. كما أدى هذا الموقف من العلماء إلى القول بأن القرآن يخالف الحديث النبوي أو أن الحديث يشرع غير ما شرعه القرآن. كما رأينا ذلك الإنقطاع بين  آية الربا والأحاديث التي تتحدث عن بيع الملح، والذهب، والفضة، والقمح، والشعير، والتمر. وحتى بلغ البعض إلى القول بأن الحديث ينسخ القرآن الكريم.. والحق أن القرءان لا ينسخ الحديث ولا الحديث القرآن. ولكن يمكن القول بأن القرآن ينسخ بعضه بعضا والحديث كذلك.

والمشاكل والصعوبات التي نشأت من عدم إقامة الربط بين الحديث والقرآن الكريم أدت إلى فهم خاطئ، وجعلت بعض العلماء لا يعطون للأحاديث النبوية حقها من الاهتمام. ومن ناحية أخرى ظن البعض أن مصدر الصعوبات هو القرآن الكريم؛ قائلين إن القرآن محدود بالزمان والمكان الذي أنزل فيه؛ فأوَّلوا الآيات تأويلا خاطئًا وأبعدوا المسلمين عن القرآن الذي يتكفل لهم الحياة الطيبة، ويضمن لهم سعادة الدارين. والخطأ المشترك عند كثيرين هو تلقيهم كل ما في المؤلفات القديمة وأخذهم مِمّن عُدَّ عالماً وعدم النظر في الكتاب والسنة. ولو أنهم نظروا إلى الآيات لما وقعوا في الخطأ.

ونقف الآن على بعض المصطلحات الهامة في تفسير القرآن الكريم مثل المحكم، والمتشابه، والمثاني، والتأويل، وذلك بالمقارنة بين معانيها التي فهمها العلماء ومعانيها التي نفهمها في سياق الآيات القرآنية.

المحكم: ما أحكم من الكلام، ولا يحتمل أي شبهة في المعنى ولا في اللفظ.[2] والآيات المحكمات تفيد حكما قاطعا ولا يوجد فيها الخلاف.

المتشابه:  أصلها من الشِّبْهُ و الشَّبَهُ و الشَّبِـيهُ: الـمِثْلُ، والـجمع أَشْباهٌ. و أَشْبَه الشَّيْءُ الشيءَ: ماثله.[3] وهي المذكور في الآيات الثمانية التالية بهذا المعنى:

1.    «وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة، 2/25).

2.     «قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ» (البقرة، 2/70)

3.     «وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (البقرة، 2/118).

4.     «وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأنعام، 6/99).

5.     «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (الأنعام، 6/141).

6.     «قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» (الرعد، 13/16).

7.     «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (الزمر، 39/23).

8.    «هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ» (آل عمران، 3/7).

وقد قال العلماء في الآيات السبعة السابقة أن “المتشابهات” بمعنى المتماثلات، ولكنهم قالوا: إن المتشابهات: في الآية السابعة من آل عمران بمعنى «أنه لم يفصل فيهن القول كفصله في المحكمات، وتتشابه في عقول الرجال ويتخالجها التأويل»[4]

على أن المحكمات “هن أم الكتاب والأخرى متشابهات فالقسم الكبيرمن القرآن متشابهات. لأن الأم دائما قليل، أما الآخر فكثير. فالقول السابق عن المتشابهات يحمل في طياته أن معظم القرآن غير مفهوم. وهذا كلام لا يقبل؛ لذا حاول بعض العلماء أن يضع حدا للمتشابهات بدون أن يستند إلى أي دليل. وقد روى الطبري عن ابن عباس قوله: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب»، المحكمات: ناسخه، وحلالُه، وحرَامه، وحدوده وفرائضُه، وما يؤمن به ويعمل به = قال: «وأخر متشابهات»، والمتشابهات: منسوخه، ومقدّمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يُعمل به.[5]

أما الراغب الاصفهاني فقال: المتشابه على ثلاثة أضرب : (1) ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابّة ونحو ذلك. (2) وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. (3) وضرب متردد بين الأمرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم.[6]

وألماليلي حمدي يزير حاول أن يوضح الموضوع توضيحا علميا ، فقال: التشابه هو المماثلة بين شيئين متساويين ويقال عن كل واحد منهما المتشابه حيث يصعب التفريق بين كل من المتشابه عن الآخر. وفي التشبيه والمشبه والمشبه به يكون أحد الطرفين أقوى من الآخر في وجه الشبه. أما في التشابه فيتساوى كلا الطرفين في وجه الشبه. فتختفي الفوارق من شدة التشابه، فيصعب التفريق بينهما كما في هذه الآية: «إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا» (البقرة، 2/70). «تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُم» (البقرة، 2/118). «وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً» (البقرة، 2/25). فالتشابه سبب في عدم التمييز وهو المعنى اللازم لكلمة التشابه.[7]

وهذا التفسير الذي نقله ألماليلي حمدي يزير عن فخر الدين الرازي ليس تفسيرا علميا كما ادعاه، وقد نقله عن فخر الدين الرازي.[8]  وعندما فسر ألماليلي الآيات السابقة كان بعيدا عن ذلك الخطأ القائل بأن المتشابه هو ما يفهم معناه. وقال في تفسير الآية الخامسة والعشرين؛ وهل الفواكهة في الدارين من جنس واحد؟ كلا ليست من جنس واحد، وهو التشابه فقط، يشبه بعضها بعضاً بوجه ما، ويفترق في الحقيقة بفوارق كثيرة.[9] أي ليس فيها الإشتباه بمعنى الخلط.

وتفسيره للآية السبعين من سورة البقرة كالتالي: «اشتبه علينا البقر، ولم نعرف البقر المقصود، كلما نسأل عن وصف يأتي بأوصاف قد توجد في الأبقار الأخرى».[10] والأوصاف التي توجد في الأبقار الأخرى هي أوصاف متشابهة.

أما في الآية الثامنة عشرة بعد المائة فيقول: «كما ترى أن قلوب هؤلاء كمثل قلوب من سبقهم،   فتشابهت مشاعرهم وأفكارهم».[11] والتشابه هنا في الشعور والأفكار، وليس عدم التمييز بينهم من كل جهة.

وقد جاء المفسرون والأصوليون بشيء آخر غريب للغاية؛  وهو أنهم قالوا إن القرآن كله محكم مستدلون بالآية الأولى من سورة هود. وقال بعضهم إن القرآن كله متشابه مستدلا بالآية الثالثة والعشرين من سور الزمر، وقال آخرون مستدلون بالآية السابعة من سورة آل عمران إن القرآن منه المحكم و منه المتشابه.[12]

ولم يأت من النبي صلى الله عليه وسلم بيان في المتشابه. غير أنه روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم”.

وهذا الحديث كذلك لم يبين المتشابه. لذا من الضروري أن نفهم منها معناها اللغوي المعروف بين الناس. قال الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (إبراهيم، 14/4).

ومما سبق يتبين أن فهم العلماء للمتشابه لا يستند إلى القرآن ولا إلى الحديث ولا إلى اللغة العربية ولا إلى أي من الحقائق العلمية. كما يجعل هذا الفهم القرآن غير مفهوم سوى آيات قليلة. بالرغم أنه كتاب مبين كما دل على ذلك قوله تعالى : «تلك آيات الكتاب المبين» لذا لا يمكن قبول هذا الفهم بأي حال من الأحوال.

والمتشابه يطلق على شيئين متماثلين، وهي تختلف عن التشبيه، فالتشبيه ليس لإفادة التماثل بل لإفادة القوة والتأثير في المعنى. عند ما يقال: «رجل شجاع كالأسد» أو «ولد مكار كالثعلب» يقصد بها تشبيه الرجل بالأسد في الشجاعة، والولد بالثعلب في المكر. و في الحقيقة لا يشبه الرجل الأسد ولا الولد الثعلب. أي لا يلزم التشابه التام بينهما. والأشياء المشتبهات تكون في الجنس، والنوع، والصنف وبهذه الطريقة تعرف الأشياء، وتتكون المعرفة ويوصل إلى الأهداف الجديدة.

ونفهم من الآية السابعة من آل عمران والآية الثالثة والعشرون من الزمر أن آيات القرآن الكريم متشابهات. لأنها تفسر بعضها البعض. إذن نتعلم القرآن كما نتعلم الأشياء، نقسم الآيات المتشابهات إلى مجموعات لنعرف معاني القرآن الكريم. وعلى أن التشابه يكون بين شيئين على الأقل ، فالعلاقة الثنائية بين الآيات موجودة في القرءان الكريم، كما يؤيد ذلك كلمة «المثاني».

«مثاني»  جمع مثنى أو مثنى أو مثن.[13] وقد ذكرت كلمة «مثاني» في الآيات الأربع التالية:

1.    «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ» (النساء، 4/3).

2.     “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” (السبأ، 34/46).

3.     «الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (الفاطر، 35/1).

4.     «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (الزمر، 39/23).

وذكرت كلمة “مثاني” في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (الحجر، 15/87). فـ «ال» التعريف في كلمة «المثاني» هنا تشير إلى المثاني المذكورة في سورة الزمر. ونفهم من هاتين الآيتين أن الآيات كلها مثاني .

إن الآية السابعة والثمانون قد ألفتت النظر إلى المثاني السبع وهي آيات سورة الفاتحة. فالفاتحة خلاصة القرآن وأعظم سوره. عن أبي السعيد المعلى: قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم» (الأنفال، 8/ 24).  ثم قال: إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. ما أنزل الله مثلها في التوراة ولا في الإنجيل.[14]

إذا لم تربط العلاقات بين الآيات لا تفهم المثاني فهما صحيحا. قال كثير من العلماء أن المثاني بمعنى التكرار أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم، مختلفة البيان في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات ، من غير اختلاف في أصل المعنى ، ولا يمل من تكراره ، وترداد قراءته وتأمله واعتباره ، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده[15] وقال فخر الدين الرازي: «وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل : الأمر والنهي ، والعام والخاص ، والمجمل والمفصل ، وأحوال السموات والأرض ، والجنة والنار ، والظلمة والنور ، واللوح والقلم ، والملائكة والشياطين ، والعرش والكرسي ، والوعد والوعيد ، والرجاء والخوف ، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق باطل ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه».[16] وهو كلام جميل ولكن لا يصلح في تفسير القرآن.


[1] مفردات ألفاظ القرآن ، مادة: قوم.

 [2] فردات ألفاظ القرآن مادة: حكم.

 [3] مفردات ألفاظ القرآن مادة: شبه.

[4] أصول الفقه لمحمد أبو زهره ، استانبول ، ص. 134. تاريخ الطبع غير معروف.

[5] تفسير الطبري ، 3/172 .

[6] مفردات ألفاظ القرآن مادة: شبه.

[7] حق ديلي قرآن ديني لألماليلي محمد حمدي يازر 2/1037 ..

[8]  فخر الدين الرازي، التفسير الكبير، 3/138 ..

[9] حق ديلي قرآن ديني لألماليلي محمد حمدي يازر 276/1.

[10] حق ديلي قرآن ديني لألماليلي محمد حمدي يازر 383/1.

[11] حق ديلي قرآن ديني لألماليلي محمد حمدي يازر 481/1.

[12] فخر الدين الرازي446/9.

[13] البيضاوي، تفسير الببضازي ، 2/323 ..

[14] الترمذي ، فضائل القرآن ، 1.

[15] انظر تفسير الطبري 10/628-629.

[16]  تفسير الكبير للرازي 9/446 ..

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

شوهد 3.709 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع