الإستعانة بأصحاب القبور

الإستعانة بأصحاب القبور[1]

المريد – بلغنا أنك لا تقبل هذا الحديث: “إذا تحيَّرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور”.[2] فما السبب الذي أدى بكم إلى إنكاره؟ مع أن الاستعانة بأصحاب القبور هي الإعتبار بهم.

بايندر – لو كان الأمر كما تقول، فلماذا قال استعينوا ولم يقل اعتبروا؟ ولأنه يفهم من عبارة “استعينوا” أن الحديث موضوعٌ لأن الإستعانة طلب العون. وفي سورة الفاتحة يعلمنا الله تعالى بقوله (وإياك نستعين) أن الإستعانة لا تكون إلا بالله وحده، أي فلا يطلب العون إلا من الله سبحانه. وعليه فهذا القول معارض للقرآن الكريم.

أليس قراءتُنا الفاتحةَ في كل صلاة واستحضارُنا هذا المعنى لسبب؟ أفلا يَكبُر عليكم أن تُظاهروا وتُؤَيِّدوا مَن يَفتري الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أفلا تعقلون؟ أيُعقل أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف القرآن مع أن وظيفته الأصليةَ تبليغ ما أنزل إليه؟ ثم إن هذا القول لم يسمعه أحد منه صلى الله عليه وسلم، ولم يقل بمثله أحدٌ في عهد الصحابة ولا التابعين. كما أن هذا الحديث المزعوم لم يرد في الكتب الصحيحة. وقد قلت هذا من قبل مرارا ولكن لم يأت منكم جواب يسمنُ أو يغني من جوع.

المريد – يكفينا أنه موجود في كتاب “كَشفُِ الخَفاء” للعَجْلوني، وله مكانة كبيرة في الحديث، وقد نقله عن ابن كمال باشا من كتابه الأربعين.

بايندر – كَشف الخَفاء صَنَّفه العَجلوني ليميز به الصحيح من الضعيف مما اشتهر على ألسنة الناس من الأحاديث. لذا كثُر فيه الأحاديث الموضوعة. وفي مقدَِّمته ينقل عن الحافظ ابن حجر قولَه:”… وإما لا أصل لها البتةَ، فالناقل لها يدخل تحت ما رواه البخاري في ثُلاثيّاته من قوله صلى الله عليه وسلم: “من نقل عني ما لم أقل فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النار”.[3]

ورتّبه ترتيبا ألفبائيا وعزا الأحاديث إلى مُخرِجيها، لكنّ هذا الحديث لم يذكر فيه شيئا سوى أنه نقله من كتاب الأربعين لإبن كمال باشا. ولو اطلعتم عليه لما وجدتم له أيَ أصل[4]. وما على الذين وضعوه إلا أن يتبوؤوا لأنفسهم مقاعدهم من النار.

المريد – ألسنا نستعين بالإنسان الحي؟ بلى، وهكذا روح الولي الميت، هي كالسيف المسلول من غِمده،[5] فهو أكثرُ قدرةً على الإعانة، وهؤلاء الأولياء أصحاب قدرة على التصرف.

بايندر – أما موضوع الإستعانة بالأحياء فسنقف عليه فيما بعد.[6] وأما ما ذكرتموه من تحوُّل روح الولي إلى سيف مسلول بعد الموت؛ فهل له سندٌ من كتاب وسنة؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم المتوفَى نصلي ونسلم عليه كلما ذكرناه أو زرنا قبرَه، أي أننا نسأل له الرحمة من الله والسعادة الأبدية. أما أن ندعُوَه فهو مخالف لصريح النص الشرعي.وإلا فما الفرق بيننا وبين النصارى الذي يدعون نبيَ الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام لينصرهم؟ وهذا مما ليس له أصل في شريعتنا بل  ضلال عن الصراط المستقيم. ثم قولكم إن الولي إذا مات صار أكثرَ قدرةً على التصرف والإعانة؛ وهل من دليل يثبت قولكم؟؟؟

المريد – خروجُ روح الولي كالسيف المسلول من غمده عند الموت قولٌ منسوب لبعض كبار أهل العلم.

بايندر – قد بين اللهَ تعالى في كتابه الكريم بطلانَ ما تدّعونه فقال: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الزمر، 39/42). فهذه الآية تدل على أن الله يُمسك الأرواح في مكان ما في البرزخ حتى تقوم الساعة.

أما عن الموتى فقال تعالى: « وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (فاطر، 35/22).

ثم فكروا في قول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام في الآخرة في قول الله تعالى «… وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (المائدة، 5/117).

فإذا كان رسولُ الله المسيحُ عيسى بنُ مريم نفسُه  عليه الصلاة والسلام  لا علمَ له بما أَحدَثَت أمتُه من بعده، فكيف يُقبل أن تكون روح الولي كالسيف المسلول من غِمده؟

واستمع إلى هذه الآية الفاصلة بيننا: « وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ» (الأحقاف، 46/5).

وقد فسرت  بعض معاني القرآن الكريم باللغة التركية كلمة “الدعاء” في الآية بمعنى “العبادة”.فخصت الآية بعبادة الأوثان. وهذا خطأ. لأن الآية يشمل جميع أنواع الشرك الموجودة قديما وحديثا.

والتفاسير العربية تؤَوِّل الدعاء بالعبادة، وهذا لا يشكل خطرا لأن الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه هو “… العبادة…”[7]، وقال: ” الدعاء مخ العبادة”[8]. فإذا قرأ العربي مثل هذا الشرح فهم أن الدعاء هو العبادة. أما التركي إذا قرأ الترجمة لم يقدر أن يستوعب هذا المعنى. أما  كلمة “الدعاء” (çağırmak, yalvarmak) فإنها تشمل العبادة؛ والعكس غير صحيح.

وترجمة “من دون الله” بـ “غير الله” يؤدي في ذهن القارئ التركي إلى فهم خاطئ. لأنه يفهم من “غير الله”  أن هناك شيئا ثانيا يختلف عن الله الذي نؤمن به. أي يُفهَم منها أن الداعين رفضوا وجود الله فتركوا دعاءه بالكُلِّيِّة فدَعَوا غيرَه على حدةٍ. في حينِ أن الذين اتخذوا من دون الله أولياءَ نظروا إلى هؤلاء المدعُوِّين على أنهم أعظم من سائر البشر، وأنهم مقَرَّبون إلى الله تعالى. فليس يوجد في الدنيا كلِها كافرٌ ينكر وجود الله عز وجل، لكنهم اتخذوا وسطاءَ بينهم وبينه سبحانه، فآل بهم الأمر إلى أن نسبوا إليهم ما لا ينبغي لهم من صفات الله تعالى، من غير علم أو سلطان أتاهم. إنما يتبعون ما وجدوا عليه آبائهم. ونسبتهم لعبد ما صفة لا تكون إلا لله هو اتخاذه شريكا لله في تلك الصفة. وهو الشرك بعينه.

ويُظن أن الملاحدة ينكرون وجود الله تعالى. ولكن الحقيقة أن الملاحدة كذلك يؤمنون بوجود الخالق لأنهم إذا وقعوا في الشدة لم يَدعُوا إلا إياه، ذلك بأن إنكارهم ليس إلا جحودا. حالهم حال المشركين الذين إذا قيل لهم «مَنْ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولَنَّ الله».

المريد – بعض المرضى قصدوا القبور للإستشفاء بها فشُفوا. وهذا أمر مذكور على لسان أوثق الرجال المُوَقَّرين. كما هو واقع نراه كثيرا؛ فما قولك؟

بايندر –هذا الموضوع لا يحتاج إلى قول يقال؛ لأن الآياتِ التي ذكرناها كافيةٌ في بيان بطلان هذا الزعم.

المريد – قال أحد الشيوخ الكبار من أصحاب الطرق الصوفية في مجلس عيد: ” كانت لي أخت مُقعَدة، ذهبنا بها إلى كل الأطباء الموجودين في مدينة أدنا في ذلك الزمان فعَجَزوا عن مُداواتِها. ثم أوصى البعض بأن نذهب بها إلى جبال طُوروسَ ففيها ضريحٌ مشهور، و نَبِيت هناك ونتوسّلَ به في الدعاء، ونَستمِدَّ من رُوحانيّته لتُشفَى بإذن الله. وكنا قد يئسنا من كل الأطباء الذين ذهبنا إليهم. ففعلنا ما أوصينا به من الذهاب إلى هناك، وبينما نحن نيام في الليل إذا بأختي تصرخ عاليا، فانتهزت أمي متسائلةً ما الذي حدث لها، أأُصيبت بسوء في عقلها؟ أم هو شيء من الخوف شعرت به؟ أم ماذا؟ وأختي ما تزال تصرخ وتقول: “لقد شُفيت، إني أمشي، ونحن واقفون في دهشتنا وتعَجُّبنا، ولم ننتظر فَلَق الصبح حتى رجعنا من الجبل مع أختنا وهي تمشي على قدميها”[9]. وكلام هذا الرجل المُبَجَّل وتجربتُه أمرٌ له شأنُه عندنا. فما قولك؟

بايندر – الذين يعتقدون أن أهل القبور ينفعون الأحياء في قضاء حاجاتِهم هم الذين يُصَدِّقون مثلَ هذا الزعم، تَبَعا لاعتقادهم شئتَ أم أبيتَ. لكنّ هذا كَذِبٌ مَحض. ألم يُخبِرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن انقطاع عمل الإنسان بعد موته قائلا: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ، إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له”[10]. والصدقة الجارية كالمسجد والعَين والجِسر مما يَنتفع به الناسُ يَدُوم ثوابُه، ويصل إلى فاعله ما دام مُستمِرَّ النفعِ، وكذا العلمُ النافع. فإذا أَنجز إنسانٌ عملا علميا مُفيدا فثوابُه يصل إليه. ومثلُه دعاءُ الولدِ الصالحِ. فكل هذه الأعمال يستمر ثوابُها حتى بعد الموت، ولم يبقَ له أيُّ عمل بعد وفاته إلا تلك الثلاثة.

وفيما حكيتُموه عبارةُ: “ونتوسلَ بدعائه ونَستمدَّ من رُوحانيّته لتُشفَى بإذن الله”. ودعاء الأحياء للأموات لا حقيقةَ له، ولو كان الأمر كما ذكرتَ لذهبنا بكل مريضٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دعاؤه و رُوحانيته أعظم وأكبر.

ثم فكروا قليلا واعقلوا، أبعد اليأس من كل الوسائل الطبية هو الذهاب إلى قبر يستشفى به؟ أيقدر الأموات على ما لم يقدر عليه الأحياء؟ أيقبل هذا العقل السليم؟ والله تعالى يقول: « وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (فاطر، 35/22).

وما أسوأَ أن يجر الإنسان على الناس الأعمال الخبيثة التي لا أصل لها ولا يحقق شيئا سوى أنه رآى أنهاحسنةً في أعينهم فأكبروها؛ ليعظم شأن من زيّنها لهم من شياطين البشر.

المريد – إني أعتقد صحةَ كل ما ذكرتُ عن هذا الشيخ من صميم قلبي، فهل تزعم أنه لم يَحدث؟

بايندر – لم أزعم ولكني على يقين أنها مخالفة لكلام الله تعالى. فأما المريض المذكور في الحكاية فلعله شُفي حقا، أما أن يكون صاحب الضريح وسيلةً للشفى فهذا ما لا يمكن قبولُه أبدا. وما ذكرتَه في الحكاية ليس الأول ولا الأخير من الخرافات والتي تخدع جهلاء المسلمين.

والأصل أننا نعبر الصراطَ المستقيم في الدنيا أولا، فإذا أخطأنا في التأويل زَلَّت بنا الأقدام. وها نحن نرى أتباع الطريقة القادرية يَغرِزون السَفافيدَ في أبدانهم ويَحسَبُه البعض كراماتٍٍ خُصَّ بها القومُ. وكذا الهنود، فهم مَعروفون بإنفاذ السيوف في أجسادهم، ويَغرِزون في خُدودهم قَصَباتٍ سُمكها كخشب المَطارق حتى تَنفذ من الشِقِّ الآخَر. فلو كان صنيعُ القادِريّةِ كراماتٍ لوَجب أن يُنسب هؤلاء الهنودُ إلى فِعل المُعجِزات. والحقيقة أنه لا علاقة لأحد من الفريقين بالدين. بل يجب تنزيه الدين عن مثل هذه الأفعال، وإنما هو من قبيل التنويم المغناطيسي. فبعض العمليات الجراحية تُجرى بهذا التنويم دون اللجوء إلى التخدير، فلا يشعر المريض بأي ألم. وقد نشاهد في التِلفاز تصوير العملية واضحا على دماغ مفتوح يُسأل المريض أثناء العملية، هل يشعر بشيء من الوجع، فيجيب بأنه لا يُحِس إلا بمثل الدغدغة فقط.



[1] كان هذا الحوار مع محمود أفندي وجماعته (محمود أوسطا عثمان أوغلو)

[2] محمود أوسطا عثمان أوغلو، رئيس هيئة تفسير روح القرآن 2/82، إسطنبول 1992

[3] كشف الخفاء لإسماعيل بن محمد للعجلوني 1/8، بيروت 1408هـ/1988م.

[4] الأربعون لابن كمال باشا، الورقة 360، مكتبة السليمانية، أسعد أفندي 1694. شيخ الإسلام ابن كمال باشا من العلماء المشهورين في عهد السلطان سليم ياووز. ولد في مدينة توقاد عام 1469م وتوفي في إسطنبول عام 1534م، فيكون حينئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرُ من تسعمئة عامٍ، ثم يأتي بما يزعم أنه حديث دون أي سند، بل ويخالف به القرآن مخالفة بينة. وهو عِوَضَ أن يذكر له مصدرا يلجأ إلى التفسيرات الفلسفية التي لا تجدها في أي دين ليثبت بها صحته.

[5]  ”روح الفرقان” لمحمود أفندي 2/67.

[6]  سنذكر هذا الموضوع تحت عنوان: “الإعانة بخوارق العادة”.

[7]  الترمذي، الدعاء 1، رقم الحديث 3372.

[8] الترمذي، الدعاء 1، رقم الحديث 3371.

[9] مجلس عيد، مجلة ألتن أولوك شباط 1997، ص 13.

[10] مسلم، الوصية 14؛ أبو داود، الوصايا 14؛ النسائي، الوصايا 8.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

Etiketler:

شوهد 4.372 مرة/مرات